يمتد الساحل الشمالي من الإسكندرية إلى مرسى مطروح، ليشكل واحدًا من أجمل سواحل البحر المتوسط وأكثرها قدرة على منافسة أشهر المقاصد السياحية العالمية. يتميز بطبيعة خلابة، مياه فيروزية، ورمال بيضاء ناعمة، إضافة إلى استثمارات بمئات المليارات من الجنيهات.
لكن رغم كل هذا الجمال، يخرج العديد من الزائرين بانطباع واحد: الوصول إلى البحر أصبح أصعب من الوصول إليه.
في معظم دول العالم، قد توجد منتجعات فاخرة وفنادق خاصة، إلا أن البحر يبقى مفتوحًا وقابلًا للوصول عبر ممرات وشواطئ عامة منظمة مع احترام خصوصية الملكيات الخاصة. أما في أجزاء واسعة من الساحل الشمالي، فقد أصبح البحر بالنسبة للكثيرين محاطًا بطبقات متتالية من البوابات، والتصاريح، والرموز الإلكترونية، والطوابير.
تبدأ الرحلة عند بوابة المنتجع حيث تنتظر للتحقق من بيانات الدخول. وبعدها تحتاج إلى رمز إلكتروني (QR Code)، وربما رمز آخر لدخول الشاطئ وثالث لاستخدام بعض الخدمات داخل المنتجع.
وإذا رغبت في دعوة أفراد أسرتك أو أصدقائك لقضاء يوم معك، تبدأ رحلة أخرى مليئة بالإجراءات والقيود وكأنك تدعوهم إلى منطقة شديدة الحساسية. وفي كثير من الأحيان، لا يُسمح للضيوف باستخدام الشاطئ رغم دخولهم المنتجع بصورة قانونية.
ثم تأتي المفارقة الأكبر.. أنت تمتلك وحدة سكنية دفعت فيها عشرات الملايين من الجنيهات، لكن إذا قررت تناول العشاء في أحد المطاعم المطلة على البحر داخل المنتجع نفسه، قد تجد أن الحصول على حجز يحتاج إلى وساطة أو انتظار طويل. وإذا نجحت في الحجز، تنتظرك طوابير جديدة للدخول وساعات أخرى للخروج بسبب الاختناقات المرورية عند البوابات.
فأي تجربة سياحية هذه؟
الأغرب أن هذه القيود تأتي بالتوازي مع مستويات أسعار غير مسبوقة. فأسعار الوحدات أصبحت تضاهي وفي بعض الحالات تتجاوز أسعار عقارات في أشهر المنتجعات الأوروبية المطلة على البحر المتوسط بينما ارتفعت أسعار المطاعم والخدمات بصورة كبيرة دون أن ينعكس ذلك دائمًا على مستوى الخدمة أو سهولة الحصول عليها.
لا يقيس السائح جودة المكان بعدد الأبراج أو ارتفاع أسعار العقارات بل بسهولة الحركة وسرعة الحصول على الخدمة وحرية الاستمتاع بالبحر واحترام وقته.
عندما يقف الزائر ساعتين أمام بوابة منتجع ثم ساعة أخرى لدخول مطعم وساعة إضافية للخروج، فإنه لن يتذكر لون البحر بقدر ما سيتذكر حجم المعاناة. وإذا كنا نطمح لأن يصبح الساحل الشمالي مقصدًا عالميًا يستقبل ملايين السياح من مختلف الجنسيات فعلينا أن نسأل أنفسنا: هل هذه هي التجربة التي نريد أن ينقلها السائح إلى العالم؟
إن العالم اليوم يتنافس على تقديم الراحة بينما يبدو أننا نضيف المزيد من التعقيد. ولا أحد يطالب بإلغاء إجراءات الأمن أو حماية خصوصية السكان فهي أمور ضرورية لكن هناك فرق كبير بين الأمن وبين التعقيد وبين التنظيم والبيروقراطية.
لقد نجحت الدولة في إنشاء شبكة طرق عالمية ومدن جديدة وبنية تحتية متطورة أوصلت الساحل الشمالي إلى مرحلة غير مسبوقة من التنمية. واليوم حان الوقت للانتقال إلى المرحلة التالية وهي تطوير تجربة الإنسان نفسه.
فالنجاح الحقيقي لأي مقصد سياحي لا يقاس بعدد الوحدات المباعة ولا بقيمة الاستثمارات وإنما بعدد الزائرين الذين يغادرون وهم يتمنون العودة مرة أخرى. فالبحر خلقه الله للجميع وما أجمل أن تبقى الطريق إليه سهلة ومنظمة وعادلة لا أن تتحول الإجازة إلى رحلة بين البوابات والطوابير والرموز الإلكترونية.

