في مثل هذا اليوم من عام 1798، شهدت ضفاف النيل عند منطقة إمبابة واحدة من أكثر المعارك الفاصلة حسمًا في تاريخ مصر الحديث. حيث التقى فرسان المماليك بقيادة مراد بك وجيش الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت، لتندلع المعركة المعروفة دوليًا باسم معركة الأهرام. هذه المعركة أنهت قرونًا من سيطرة المماليك التقليدية وأسقطت القاهرة في أيدي الفرنسيين، مما فتح أفقًا جديدًا لتاريخ المنطقة برمته.
أسباب الصدام بين المماليك والفرنسيين
بعد إنزال القوات الفرنسية في غرب الإسكندرية في الأول من يوليو 1798، تقدم بونابرت بسرعة عبر الصحراء نحو القاهرة بهدف التغلب على المماليك قبل أن يتمكنوا من حشد كامل قواتهم. ورغم الاشتباك الأول في معركة شبراخيت بالبحيرة الذي انتهى بتراجع المماليك، إلا أن أمراءهم بقيادة مراد بك وإبراهيم بك استمروا في الاستهانة بالقدرات الفرنسية، معتمدين على تكتيكات الفرسان التقليدية بالسيوف والرماح، واثقين من قدرتهم على القضاء على القوات الفرنسية فور وصولها إلى مشارف العاصمة.
في فجر يوم المعركة، حشد مراد بك قواته على الضفة الغربية للنيل عند إمبابة لتأمين المدخل الشمالي للقاهرة، بينما تمركز شريكه إبراهيم بك مع القوات والأهالي على الضفة الشرقية عند بولاق لمراقبة المشهد. وفي المقابل، أدرك نابليون أن مفتاح الحسم يكمن في ابتكار خطة عسكرية تتجاوز هجوم الفرسان العنيف؛ فأمر بتشكيل قواته في خمس مربعات تكتيكية مغلقة توضع المدافع والذخيرة والعلماء في منتصفها، وتُوجه فرسان السرايا والبنادق إلى الخارج لصدهم.
ومع انطلاق المعركة، شن فرسان المماليك هجومًا انتحاريًا وباسلًا بطول الساحل محاولين اختراق المربعات الفرنسية. غير أن التكتيك الفرنسي المنظم والمدافع المركزة حطمت اندفاعهم بالكامل قبل الوصول إلى الخطوط الأمامية. وتحول ميدان المعركة إلى مصيدة محكمة؛ حيث حوصرت قوات مراد بك بين نيران المربعات الفرنسية ومجرى نهر النيل، مما أدى إلى غرق المئات من الفرسان وفرار البقية. بينما وقف إبراهيم بك على الضفة الأخرى عاجزًا عن التعديل أو تقديم الإمدادات بسبب انفصال ضفتي النيل.
انتهت المعركة بهزيمة ساحقة لجيش المماليك؛ حيث فر مراد بك بفلول قواته نحو الصعيد لمواصلة حرب العصابات، بينما فر إبراهيم بك والوالي العثماني نحو الشرقية ومنها إلى الشام. وترتب على هذه النتيجة سقوط العاصمة القاهرة دون مقاومة تذكر ودخول نابليون بونابرت إليها بعد يومين، لتنتهي بذلك سلطة المماليك الفردية على البلاد وتدخل مصر مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة مع الحداثة والاستعمار الأوروبي.

