شهد الأداء البرلماني في مناقشة اختصاصات جهاز مستقبل مصر مستوى راقٍ من النقاش، حيث لعبت المعارضة دورًا متميزًا إلى جانب الأغلبية والاستجابة الوطنية من ممثلي الجهاز. نتمنى أن يسود هذا النوع من الأداء في المناقشات المستقبلية، مما يعيد الثقة لجمهور الناخبين في مجمل العملية السياسية. ولهذا السبب، تم ابتكار مفهوم البرلمانات والمعارضة.
ربما يتماشى ما حدث مع دعوة الرئيس مؤخرًا لتنشيط الحياة السياسية، حيث تُعتبر المعارضة ركيزة أساسية في أي نظام ديمقراطي صحي. تلعب المعارضة دورًا حيويًا في تصويب المسار، ومراقبة أداء الحكومة، وطرح رؤى بديلة تعزز جودة الحوكمة.
ومع ذلك، عندما تفقد المعارضة القدرة على التمييز بين القضايا الوطنية الكبرى والخلافات السياسية الداخلية، فإنها قد تتحول إلى عقبة أمام الاستقرار السياسي والتقدم الوطني، بدلاً من أن تكون قوة دافعة نحو الإصلاح والتطوير.
في كثير من الدول، تتجاوز المعارضة حدود النقد البناء وتتحول إلى أداة للصراع السياسي البحت، حيث تصبح معارضة كل شيء لمجرد المعارضة دون تقديم بدائل حقيقية. والأسوأ من ذلك حين تستغل القضايا الوطنية المصيرية كورقة ضغط سياسي، مما يقوض وحدة الدولة ويفتح المجال أمام التدخلات الخارجية ويهدد استقرار المجتمع.
لا توجد دول مخلوقة للديمقراطية وأخرى للطغيان؛ فالأمر يتعلق بالتطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي. بقدر ما تحدد الشعوب أهدافها بدقة، بقدر ما تختصر الطريق الطويل وتحقق مرادها في الحياة الكريمة الحرة.
على سبيل المثال، لم تكن أوروبا واحة الديمقراطية؛ فقد كانت محكومة برجال الدين والطغاة مثل غيرها، وكانت تعاني من التخلف والمظالم الاجتماعية والأوبئة والحروب المذهبية والصراعات الطائفية ومؤامرات القصور والإعدامات والخيانة المستمرة.
الديمقراطية هي اختراع إنساني عبقري يهدف إلى قمع القمع عبر تعدد مراكز صنع القرار والرقابة المتبادلة بين مؤسساتها. إنها ليست مجرد اصطلاح سياسي بل نظام حكم له مبادئ وإجراءات، أهمها أن الحق في الاختلاف ليس منحة من أحد بل جوهر الحرية نفسها.
في المجتمعات الواثقة من نفسها، لا تُقابل الأفكار بالتحريض ولا تُواجه الآراء بالتخوين؛ بل تُناقَش بالحجة ويرد عليها بالفكر. أما حين يتحول الاختلاف إلى حالة تعبئة وغضب لمجرد أن أحدهم تبنّى طرحًا لا يتوافق مع القوالب الجاهزة، فالمشكلة هنا ليست في الرأي المطروح بل في ضيق المساحة المتاحة للتفكير خارج الاصطفاف.
هناك تخوف مشروع عند الحديث عن الصناديق السيادية وهذا الخوف مبرر تمامًا بسبب غياب الشفافية والوعي بهياكل هذه الصناديق التي تبدو ككيانات غامضة تعمل خارج رقابة الدولة والموازنة العامة.
<pلكي نناقش إدارة أصول الدولة بعقلية علمية بعيدًا عن العواطف، يجب توضيح حقيقة هيكلية غائبة؛ فالصندوق السيادي ليس بديلًا للبنك بل هو المظلة الأكبر والأشمل التي يمكن أن تحتوي على بنك كامل بداخلها.
الفارق الهيكلي والتنفيذي بين البنك والصندوق يتمثل في أن البنك كيان تنفيذي محدود يُستخدم لإدارة السيولة النقدية وصرف المدفوعات والاستثمار في أدوات دين تقليدية مثل أذون الخزانة والودائع. وهو لا يمتلك الصلاحيات اللازمة لإدارة وتطوير الأصول السيادية العينية كالمصانع والأراضي والبنية التحتية والمشروعات الإنتاجية الكبرى.
لذا فإن الصندوق السيادي يمثل المظلة الاستراتيجية الأشمل وهو مدير الأصول الأكبر؛ حيث تفوق مرونته وصلاحياته أي بنك تقليدي. يمكن للصندوق هندسة وتأسيس شركات وإدارة وتطوير أصول رأسمالية كبرى تحمي الأموال من التضخم العالمي والمحلي.

