توريث وتأبيد المناصب ظاهرة عانت منها مصر في عقود سابقة، وقد شهدنا تلك المأساة بتفاصيلها ونتائجها. مما يجعلنا نؤكد أن الأوطان لا يحرسها السلاح وحده، ولا ينهض بها الاقتصاد بمفرده، ولا يصنع مستقبلها أشخاص بعينهم مهما ارتفع شأنهم. بل تصنعها منظومة تتجدد باستمرار، تؤمن بأن الأشخاص زائلون، بينما المؤسسات الراشدة هي الباقية، وبقاؤها هو الضمان الحقيقي لبقاء الدولة قوية وعادلة وقادرة على صناعة المستقبل.

ولا تكمن قوة الدول في ما تملكه من سلاح أو ما تشيده من طرق وجسور، ولا حتى في الأرقام الاقتصادية التي تحققها، وإنما في قدرتها على بناء منظومة مؤسسية لا تتوقف عند فرد واحد، ولا ترتبك برحيل مسؤول، ولا تربط مصيرها بشخص مهما بلغت كفاءته. فالدولة التي تُبنى على الأفراد تعيش بقدر أعمارهم، بينما الدولة التي تُبنى على المؤسسات تبقى ما بقيت الحضارة.

من هنا تلتقي رؤية الدكتور مصطفى الفقي مع ما كتبه الدكتور حسام بدراوي، رغم اختلاف زاوية النظر. الأول يلفت الانتباه إلى خطر بقاء المسؤول في موقعه لفترات طويلة، مما يحرم ثلاثة أجيال من حقها في القيادة وتجديد الفكر. بينما يؤكد الثاني أن القوة الحديثة لم تعد تقاس بعدد الجنود والدبابات والطائرات فقط، بل بمنظومة متكاملة تضم جيشًا قويًا واقتصادًا منتجًا وتعليمًا يصنع العقول وجامعات تبتكر المعرفة وإدارة عامة تحترم الوقت ومؤسسات تعمل بكفاءة ومجتمعًا يثق في دولته ويشارك في صناعة مستقبله.

الحقيقة أن الفكرتين ليستا منفصلتين بل هما وجهان لحقيقة واحدة؛ فلا يمكن أن تقوم منظومة قوية إذا تعطلت حركة التجديد، ولا يمكن أن تزدهر المؤسسات إذا أصبحت المناصب غاية بحد ذاتها لا وسيلة لخدمة الوطن.

ليس المقصود من الدعوة إلى تجديد الدماء أن تتحول الدولة إلى ساحة تغيير دائم أو أن تُهدر خبرات السنين. فالدول العاقلة لا تستغني عن أصحاب التجربة ولكن تعيد توظيفهم في مواقع التخطيط والاستشارة ونقل الخبرات. بينما تفتح الطريق أمام قيادات جديدة تضيف ولا تهدم وتبني على ما سبقها دون البدء من الصفر.

القرآن الكريم قرر قاعدة الإصلاح الكبرى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. والتغيير هنا لا يقتصر على الأفراد بل يشمل الأفكار وأساليب الإدارة ومنظومات الاختيار وثقافة الحكم. فلا يمكن انتظار نتائج جديدة ونحن نكرر الأدوات نفسها والعقليات نفسها والسياسات نفسها.

يقول سبحانه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. وكأن الآية تجعل الإنجاز هو معيار التقييم الحقيقي؛ فلا حصانة لمسؤول إلا بما يقدمه من عمل ولا بقاء له إلا بقدر ما يضيفه من قيمة.

وفي السنة النبوية يرسم الرسول صلى الله عليه وسلم فلسفة المسؤولية بقوله: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فالمنصب ليس تشريفًا وإنما تكليف ومسائلة وليس امتيازًا دائمًا وإنما أمانة تنتهي متى أصبحت المصلحة العامة تقتضي أن يحملها غير صاحبها. ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»، فالإتقان هو معيار النجاح وليس طول البقاء.

فهم سلف الأمة هذه الحقيقة مبكرًا؛ فأبو بكر الصديق رضي الله عنه أعلن منذ اللحظة الأولى لتوليه الخلافة: “القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه والضعيف قوي عندي حتى آخذ له حقه”. إنها ليست عبارة سياسية بل إعلان لدولة القانون التي لا تميز بين الناس إلا بالحق.

وقال الإمام الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”؛ وهي قاعدة لو أصبحت ثقافة إدارية لاختفت آفة احتكار القرار ولأصبحت المؤسسات أكثر قدرة على التعلم والتصحيح.

أما ابن خلدون فقد لخّص سر سقوط الدول بقوله: “الظلم مؤذن بخراب العمران”. وليس الظلم فقط الاعتداء على الحقوق بل أيضًا حرمان أصحاب الكفاءة من فرصهم وقتل روح المنافسة وإغلاق أبواب القيادة أمام الأجيال الجديدة.

إن أخطر ما يصيب المؤسسات ليس نقص الموارد وإنما جمود النخبة الإدارية؛ فالماء الراكد يفسد مهما كان عذبًا بينما الماء الجاري يتجدد بنفسه. وكذلك المؤسسات؛ إذا أغلقت أبوابها أمام الكفاءات وتحولت القيادة إلى احتكار غير معلن فقدت قدرتها على الابتكار وأصبح الزمن يتحرك خارجها بينما تظن أنها ما زالت في المقدمة.

لذلك لم تحقق اليابان نهضتها بعد الحرب العالمية الثانية بالموارد الطبيعية بل بالإنسان المنضبط والتعليم المتطور والإدارة التي تجعل الكفاءة فوق كل اعتبار. ولم تصبح سنغافورة نموذجًا عالميًا لأنها أكبر مساحة أو أكثر سكانًا بل لأنها جعلت الجدارة أساس التعيين والترقي وربطت استمرار المسؤول بنتائج أدائه وليس بعدد سنوات بقائه.

أما كوريا الجنوبية فقد آمنت بأن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر وإنما في العقل حولت التعليم والبحث العلمي إلى قاطرة للتنمية حتى أصبحت واحدة من القوى الصناعية والتكنولوجية الكبرى.

إن الرسالة التي تقدمها هذه التجارب واضحة؛ فالدولة القوية ليست تلك التي تبحث عن مسؤول لا يُستغنى عنه وإنما تلك التي تُنشئ نظامًا يستطيع أن يفرز قائدًا جديدًا كلما احتاجت إليه دون أن تهتز مؤسساتها أو تتعطل مصالحها.

لهذا فإن بناء منظومة راشدة يبدأ بإعادة تعريف مفهوم القيادة نفسه؛ فالقائد ليس من يحتفظ بالمقعد أطول فترة وإنما من يصنع من يخلفه. والمؤسسة الناجحة ليست التي تفتخر بوجود مسؤول استثنائي بل التي تستطيع الاستمرار بالكفاءة نفسها بعد رحيله.

خارطة الطريق أمام صانع القرار لا تحتاج إلى شعارات جديدة بل إلى قواعد ثابتة: يجب أن تكون الكفاءة وحدها معيار الاختيار وأن يرتبط استمرار القيادات بتقييم موضوعي للأداء وأن تُعد الصفوف الثانية والثالثة إعدادا حقيقيّاً وأن تتحول الجامعات ومراكز الفكر إلى شريك في صناعة السياسات وأن تُكافأ المبادرة ويُحمى الاجتهاد ويُفسح المجال للنقد المسؤول باعتباره أداة للإصلاح لا خصومة مع الدولة وأن تصبح الشفافية والمساءلة ثقافة يومية وليست استثناءً مؤقتا.

إن قوة الدولة ليست في بقاء المسؤول سنوات طويلة بل في بقاء المؤسسة قوية مهما تعاقب عليها المسؤولون. وليست العبرة بأن نصنع مسؤولاً كبيراً وإنما بأن نصنع نظاماً عادلاً يفرز الكبار باستمرار.
ويبقى سؤال مهم للدكتور مصطفى الفقي: كلامك صحيح وعظيم.. ولكن لماذا كنت تسعى للمناصب والاستمرار فيها لفترات طويلة؟ ألا يتناقض هذا مع أقوالك وصراحتكم هذه الأيام؟ ولماذا لم تطلق هذه الدعوة حينما كانت أكثر إلحاحاً؟