فى لعبة القرب من السلطة، تتكرر السيناريوهات باتفاق غريب، حيث تبدو البدايات واحدة لأشخاص يحملون طموحًا وأمانٍ يسعون لتحقيقها بأي ثمن. تُفتح لهؤلاء نوافذ البص، ليشهدوا حدائق البهجة، فيتمنون ويسعون، ويقدمون كل ما لديهم لخدمة صاحب السلطة.
ينحنون ويخضعون، ويقومون بما تأباه النفوس، فينالون الرضا السامى وينعمون بعسل القرب، حتى يأذن المولى فينقلبون مغضوبًا عليهم وضالين وخائنين.
تتشابه البدايات والنهايات حولنا لنتعلم ونتفقه. ويقف معلم التاريخ صارمًا وهو يعيد تكرار دروسه، لنقرأ معه درس أحمد باشا فوزى، قائد الأسطول العثمانى في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. كان الصراع العسكرى والسياسى بين محمد على الوالى الطامح والمتمرد والسلطان العثمانى نفسه. حقق باشا مصر انتصارات عظيمة بفضل حنكة قائده وابنه إبراهيم باشا. ولأن محمد على شديد الذكاء واسع الحيلة، بعث رسائله وكثف اتصالاته برجال السلطنة الأقوياء لينقلبوا ضد سلطانهم ويساندوه باعتباره يمثل رجل المستقبل. وبالفعل اقتنع أحمد باشا فوزى بقوة وقدرات باشا مصر، وأبحر سراً بالأسطول العثمانى إلى الإسكندرية، وسلم مصر كامل السفن والمعدات العثمانية هدية لمحمد على. وتم الاحتفاء بالرجل ومنحه العطايا وفاز بالرضا والنفوذ والقرب حتى انتهى الصراع الدائر ووصل الطرفان إلى ضرورة التسوية. وهنا اشترط السلطان تسليم قائد أسطوله الخائن حيًا أو ميتًا. واضطر محمد على للتضحية بالرجل الذى لاذ به وبعث إليه من دفعه لتناول السم ثم سلم رأسه هدية اعتذار للسلطان العثمانى.
أما الدرس الثانى فهو درس إسماعيل المفتش، شقيق الخديو إسماعيل في الرضاعة وموطن أسراره وساعده الأقوى في الاستدانة والفساد المالى. لقد وصلت مكانة إسماعيل المفتش داخل الدولة في عهد الخديو إلى حد احتلال موقع الرجل الثانى، وكان يعقد الاتفاقات ويوقع المعاهدات ويسمح له بسحب أى أموال أو توجيهها دون الرجوع لأحد. حتى وجد الخديو يومًا نفسه في ورطة تعاظم ديون الدولة واقتنع بوجهة نظر بعض رجاله بضرورة تقديم كبش فداء، ولم يجد سوى إسماعيل المفتش. وحكت لنا بعض كتب التاريخ كيف استدرج الرجل الثانى إلى باخرة نيلية ليجد نفسه أمام قاتل محترف يدعى إسحق بك يقتل ضحاياه بطريقة بشعة عن طريق اعتصار خصيتى الضحية. وببساطة شديدة جرت وقائع الإعدام دون أن يهتز رمش للخديو أو رجاله، واختفى إسماعيل المفتش ببساطة شديدة وصدر بيان بنفيه إلى السودان بعد أن أُلقي بجثته إلى قاع النهر.
تكررت الدروس في مصر وبلاد عربية عديدة مثل العراق وسوريا والمغرب والسودان، فشهدنا انقلابات رؤوس السلطة على تابعين مخلصين مثل عدنان خير الله، رفعت الأسد، محمد أوفقير وحسن الترابى وغيرهم.
وهكذا لاقى خدم السلطة مصائر تشبه ما فعلوه بأعدائها، وكان ما وصلنا من وصايا السابقين المقولة العظيمة التى تقول: «من أعان ظالماً سُلِّط عليه».
والله أعلم.

