بلا مواربة، يملك المديرون التنفيذيون النصيب الأكبر من الرواتب والمكافآت والمزايا. فهناك ارتباط وثيق بين نجاح المؤسسة وتحقيق المدير التنفيذي للنجاح على مستوى الأرباح. ولا شك أنني أملك، وتملك أنت أيضًا، العديد من الأمثلة التي تثبت أن تغيير المدير التنفيذي يمكن أن يؤدي إلى تغيير كبير في ربحية الشركة أو مصداقيتها، أو على الأقل إلى انخفاض ملحوظ في خسائرها. جميع هذه الإنجازات تستحق تقديرًا من خلال الرواتب العالية والمميزات التنافسية لجذب هؤلاء الأفراد. بل إن جوزيف شومبيتر يعتبرهم أصولًا نادرة تستحق مكافآت قيمة لأنها تخلق القيمة من العدم للمنشأة.
يمتلك هؤلاء المديرون قدرات عالية في ابتكار الحلول وتوقع المستقبل وسط مخاطر متعددة. كما أنهم يتمتعون بخبرة وحدس إداريين يمكن للشركات استقطابهم برواتب مرتفعة، نظرًا لقدرتهم على تحقيق المزيد من الأرباح. ليس هذا فحسب، بل يحققون أيضًا الهدف الأسمى للشركة؛ وهو “زيادة أرباح مساهميها”، لدرجة أن بعض الاقتصاديين يرون أن هذه هي المسؤولية الوحيدة للمديرين التنفيذيين.
بالطبع، تختلف طرق تحقيق هذا الهدف بين المسؤولين. ولعل أسهل الطرق وأسرعها والأقل شعورًا بالمسؤولية هي اللجوء إلى خفض التكاليف، بما في ذلك تسريح العمالة تحت ذريعة إعادة الهيكلة وإعادة النظر في المزايا. وقد برع بعض المديرين التنفيذيين في هذا الأمر وحققوا مكاسب عالية للشركة، لكن ذلك كان على حساب سمعة الشركة الوظيفية ودورها الاجتماعي. وعُرفت الشركات التي تُدار بواسطة هؤلاء بأنها الأقل أمانًا وظيفيًا، حيث يديرها مديرون لا يعرفون إلا لغة الأرباح.
هذه الرؤية العالمية التي تدعو لتعظيم الأرباح على حساب كل شيء أعطت الضوء الأخضر لعدد كبير من المديرين التنفيذيين لرفع مهاراتهم في التسريح وخفض المزايا الطبية والتعرض للمزايا المستقبلية مثل ما يُقتطع للتقاعد. ورغم انتشار هذا الاتجاه عالميًا، إلا أنه ليس بالضرورة صحيحًا أو صائبًا.
إذا علمنا أن الموظف الصغير هو سيد الشارع اقتصاديًا ووقود الدورة الاقتصادية ومساهم رئيسي في إنقاذنا من التضخم الركودي، حيث إنه يصنع الطلب الفعال الذي يحرك الاقتصاد، فإن تسريحه أو خفض راتبه أو مزاياه قد يضر بحجم الطلب على السلع. وذلك بسبب سعي المديرين التنفيذيين لإرضاء المساهمين ومجلس الإدارة من أجل أرباح أكبر دون رؤية للمسؤولية الاجتماعية بعيدة المدى!
ولكي لا يعتقد البعض أن هذه دعوة للاشتراكية الجديدة، يجب القول إن مجالس الإدارات يجب أن تخدم بتوازن بين المساهمين والموظفين والبيئة والمجتمع. ويحق لها تعظيم الأرباح ولكن ليس على حساب رواتب الموظفين ومزاياهم، بل بكفاءة المنتج وقدراته التسويقية وخلق الابتكارات التي تجعل منه خيارًا مفضلًا لدى المستهلكين.
أخيرًا، يمكن القول إن معالجة التضخم غير الطبيعي في أجور المديرين التنفيذيين قد تخلق دورة اقتصادية خلاقة وترفع مستوى الوعي بأن للشركة مسؤولية اجتماعية وأخلاقية تجاه المجتمع. كما أن تحقيق الأرباح لا يرتبط دائمًا بخفض الأجور بل بالإبداع في الإنتاج والتسويق والأفكار المبتكرة لتبقى المعادلة الصعبة قائمة: الربحية المجزية ورضا الموظفين والمسؤولية المجتمعية واستدامة هذه المنهجية.

