عند توجيه الرئيس السيسي بتشكيل لجنة لخفض الأسعار خلال افتتاحه مقر القيادة الاستراتيجية، رحب المواطنون بهذه الخطوة، لكنهم ظلوا يتساءلون: هل يمكن أن تنخفض الأسعار بينما تبقى أسباب ارتفاعها قائمة؟

الحقيقة أن الأسعار ليست المشكلة الأساسية، بل هي نتيجة لسلسلة من العوامل تبدأ بالإنتاج وسعر الصرف وتكلفة الطاقة وسعر الفائدة، وتنتهي عند المستهلك. لذا، فإن خفض الأسعار بقرار إداري قد ينجح مؤقتًا، لكنه لن يحقق استقرارًا دائمًا.

يؤكد القرآن قاعدة ثابتة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وهذه القاعدة تنطبق على الأفراد والدول؛ فلا تتغير النتائج ما لم تتغير الأسباب. والسؤال الذي يستحق الطرح على صانعي القرار هو: هل نركز على معالجة الأسعار أم على معالجة تكلفة إنتاجها؟

إذا استمعنا إلى ثلاثة خبراء، سنجد أنهم يختلفون في التفاصيل ويتفقون في النتيجة. فالخبير الاقتصادي يشدد على أنه لا استقرار للأسعار دون زيادة الإنتاج المحلي. خبير المالية يؤكد أن حماية المواطن تتطلب عدم استنزاف خدمة الدين لجزء كبير من موارد الدولة. بينما خبير التنمية يرى أن اللجان تدير الأزمات لكنها لا تبني اقتصادًا؛ فالاقتصاد القوي يتطلب المصانع والمزارع والتكنولوجيا، وليس القرارات فقط.

تقدم لنا التجارب الدولية دروسًا مهمة. فماليزيا بعد أزمة 1997 لم تبدأ بحملات لخفض الأسعار، بل أعادت هيكلة اقتصادها وزادت الإنتاج. كما نجحت البرازيل في كبح التضخم من خلال الانضباط المالي مع دعم الزراعة والصناعة. أما كوريا الجنوبية فقد استثمرت في الإنسان والإنتاج حتى أصبح نمو الدخل هو الضامن الحقيقي لاستقرار الأسواق.

وفي هذا السياق، تظهر النقطة الغائبة؛ فالمواطن لا ينتظر انخفاض سعر كيلو السكر بجنيه أو جنيهين بقدر ما ينتظر أن يكون راتبه كافيًا لتلبية احتياجات أسرته بكرامة. قال رسول الله ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، مما يجعل نجاح السياسات مرهونًا بأثرها في حياة الناس وليس بعدد القرارات الصادرة.

كما قال ابن خلدون: “اعلم أن كثرة الجباية من أسباب خراب العمران”، وهي حكمة تؤكد أن الاقتصاد يزدهر حين يتوسع الإنتاج بدلاً من زيادة الأعباء على المنتج والمستهلك.

ويبقى أمام صانع القرار عدة أسئلة: هل الأولوية اليوم لزيادة الإنتاج أم لإدارة الأسواق؟ وهل يمكن تقليل الاعتماد على الواردات بتوسيع التصنيع والزراعة؟ وهل يشعر المواطن بثمار النمو الاقتصادي في دخله الحقيقي؟ وهل نحتاج إلى لجان أكثر أم إلى إصلاحات أعمق؟

إن الأسواق لا تستقر بالرقابة وحدها ولا بالوعود فقط، وإنما بثقة الناس في الاقتصاد وثقة المستثمرين في السياسات وقدرة المواطنين على العيش من ثمار عملهم.

لذا فإن خفض الأسعار ينبغي أن يكون نتيجة للإصلاحات، وليس بديلًا عنها. فإذا قوي الإنتاج واستقرت العملة وتحسنت الإنتاجية، ستنخفض الأسعار تلقائيًا وترتفع القوة الشرائية، وستستغني الدولة عن اللجان الاستثنائية. فالسياسات الرشيدة تُقاس بقدرتها على منع اندلاع الأزمات بدلاً من إطفائها سريعًا.