هل تحولت بيانات المصريين إلى قراطيس طعمية في المطاعم؟ هذا هو السؤال الذي يتردد بقوة بعد الكشف عن وجود رزمة ورق تحتوي على بيانات وعقود وأرقام هواتف خاصة بعملاء إحدى شركات المحمول الشهيرة في مصر.

وتبين أن المواطن الذي يذهب إلى شركة المحمول لتسليم الوثائق الخاصة به لشراء شريحة تليفون أو للتعاقد على تركيب خط إنترنت هوائي في منزله، يفاجأ بعدها بأن بياناته الشخصية منتشرة في المطاعم تباع بها الطعمية والبطاطس!

بيانات المصريين في خطر!

تُعد الواقعة التي نسردها هنا واحدة من أخطر الملفات المتعلقة بانتهاك خصوصية المصريين. فقد كشف عماد حمدي، صاحب مطعم فول وفلافل بمنطقة المرج، عن كارثة حقيقية حدثت معه حين فوجئ عند شرائه رزمة أوراق لبيع الفلافل والشيبسي، بأن الرزمة تحتوي على عقود وصور بطاقات رقم قومي وبيانات العملاء المصريين لدى إحدى شركات المحمول. وهنا صرخ بأعلى صوته: من المسؤول عن وصول هذه البيانات المهمة لأصحاب المطاعم؟

المثير في الواقعة أن صاحب المطعم ناشد الجهات المختصة باستلام هذه البيانات والتحفظ عليها، مشددًا على أنه يجب ألا تكون متاحة للعموم بهذا الشكل. وكشف في الوقت نفسه أنه اتصل بشركة المحمول لإبلاغهم بالواقعة واستلام البيانات، إلا أنه صدم من رد الشركة عليه حين قال له أحد المسؤولين: “هات البيانات دي وتعالَ”.

بعد الكشف عن هذه الواقعة، بات السؤال الذي يطرح نفسه حاليًا: هل أصبحت بيانات المصريين بلا قيمة كي يتم استخدامها في قراطيس الطعمية بهذا الشكل؟ وما هو الموقف القانوني لشركة المحمول في حالة انتهاك أو إفشاء أسرار المصريين؟

فهمي بهجت يطالب بتحرك الداخلية وإجراء تحريات عاجلة

عرضنا الأمر على عدد من المختصين لمعرفة الشكل القانوني للواقعة. حيث قال فهمي بهجت، المحامي بالنقض، إن القانون ينص على حماية حقوق وخصوصيات المصريين، ويجب على الشركات وغيرها الحفاظ عليها وفقًا للقانون رقم 151 لسنة 2020 الذي ينظم حماية البيانات الشخصية للمصريين سواء كانت بيانات عملاء أو بيانات صحية أو اسم عميل أو صورة أو رقم تليفون.

وأكد بهجت أن القانون يحظر تسريب أو إفشاء هذه البيانات إلا في الحالات المصرح بها قانونًا مثل قرارات النيابة العامة أو أمام القضاء أو ما يتعلق بالجرائم المعلوماتية والجرائم الجنائية وكل ما يضمن أمن المواطنين. مشيرًا إلى أنه بخلاف ذلك ليس من حق شركات المحمول التفريط في بيانات عملائها.

وشدد بهجت على أن إفشاء البيانات يُعتبر جريمة تتطلب من الشركة أو الجهة الحكومية اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع وصولها للجمهور. وأكد أنه إذا أثبت المواطنون أن بياناتهم تم إفشاؤها فعليهم اللجوء للقانون فورًا وتقديم بلاغ للنائب العام ضد الشركة أو الجهة المسؤولة عن الحفاظ على البيانات السرية وفقًا لنص القانون.

وأشار إلى أن واقعة تسريب بيانات عملاء شركة المحمول إن ثبتت، فإن وزارة الداخلية ستقوم بإجراء التحريات اللازمة وتحديد دور كل من ورد اسمه في الشركة أو الجهة التي سربت وأفشت البيانات. وبعد إثبات ذلك، يتم إحالتها للنيابة العامة التي ستستفسر بالطبع عن نوع الضرر الذي أصاب المتضررين.

علي أباظة يحذر: تسريب بيانات المصريين جريمة ويجب إبلاغ النائب العام

من جهته قال اللواء دكتور علي أباظة مدير مباحث الإنترنت الأسبق، إن تسريب البيانات الخاصة بالمصريين يُعتبر جريمة يعاقب عليها القانون. فليس من حق أي جهة سواء كانت حكومية أو خاصة إفشاء البيانات الشخصية للمصريين سواء كانت تخص الرقم القومي أو حتى بيانات صحية تخص المرضى.

وأضاف اللواء علي أباظة في تصريحاته لـ “فيتو” أن خطورة إفشاء البيانات تهدد السلم الاجتماعي؛ إذ كيف يتم التعاقد لتلقي خدمة وبعد تقديم بياناته الشخصية يفاجأ بأنها موجودة في المطاعم بين عموم الناس؟! ليس من حق أي جهة الحصول عليها ولا تسريبها سواء كان ذلك عمدًا أو عن طريق الخطأ.

وأشار إلى ضرورة تأمين البيانات بشكل كامل، مُنبهًا إلى أن شركة المحمول يجب أن تراجع العاملين بها لمعرفة ما إذا كان الشخص المسؤول عن الحفاظ على بيانات العملاء هو من قام بإفشائها بالبيع أم لا. لأنه إذا أثبتت التحريات الأمنية حدوث إفشاء للبيانات ووصولها لبائعي الطعمية، فهذا يُعتبر خطأ إداري جسيم.

وأكد اللواء علي أباظة أنه إذا ثبت إفشاء البيانات للجمهور، فإن للمتضرر الحق في اتخاذ الإجراءات القانونية وإخطار النيابة العامة لوقوع ضرر عليه. وفي هذه الحالة يمكن للمحكمة الحكم بالتعويض المناسب له حسب الضرر الذي تعرض له وأسرته.

ولفت علي أباظة إلى أهمية التأكد من القواعد العامة المتعلقة بفرم الأوراق الخاصة بالعملاء عند عدم الاحتياج إليها أو التخلص منها بشكل سري؛ لأن هذه الشركات تخضع لقوانين تهدف لحماية بيانات المصريين والعملاء كحقوق شخصية نص عليها القانون.

والآن بعدما طرحنا هذه الواقعة الخطيرة أصبح لدينا عدد من التساؤلات الهامة منها: هل يمكن أن تعترف الشركة بأنها أخطأت؟ وهل يمكن تعويض آلاف المصريين الذين تضرروا وباتت بياناتهم لدى بائعي الطعمية في الشوارع؟