السبت 18/يوليو/2026 – 08:38 م 7/18/2026 8:38:01 PM .

لا يوجد أخطر على الأوطان من أناس يرتدون الأقنعة، ويتقنون التصفيق أكثر مما يتقنون العمل، ويجيدون تبديل المواقف والوجوه كما تبدل الحرباء لونها. هؤلاء لا يؤمنون بوطن، ولا يدينون لمبدأ، ولا ينحازون إلا لمن يملك المصلحة أو النفوذ. في زمن اختلطت فيه القيم، لم يعد السؤال عن: من صاحب الحق؟ بل: من صاحب القوة؟ ولم يعد المعيار هو الكفاءة أو النزاهة، وإنما القدرة على التملق، وإجادة الانحناء أمام المصلحة، وتسويق الأكاذيب في ثوب الحقيقة. المنافق لا يعيش إلا في الظلام والوحل، لأنه يخشى نور الحقيقة ويخشى أيضاً النظافة. يبتسم في وجهك، ويغرس الخنجر في ظهرك، يمدحك إذا حضرت، ويهدمك إذا غبت. له في كل مجلس رأي، وفي كل مصلحة موقف، وفي كل مرحلة وجه جديد.. منافق بامتياز.

أصحاب المصالح لا وطن لهم إلا حيث تكون الغنيمة. يرفعون الشعارات حتى إذا تعارضت مع مصالحهم، ألقوا بها في أول طريق وباعوا ضمائرهم في سوق المنافع، غير عابئين بمن يُظلم أو بمن تُغتصب حقوقه. وهنا تكون المأساة الكبرى.. يضيع الحق، لا لأنه ضعيف، بل لأن من حوله باعوا أصواتهم بثمن بخس واستبدلوا ضمائرهم بحفنة من المكاسب. الشريف يصبح غريباً وصاحب المبدأ متهماً بينما يتصدر المشهد من أتقن فن التلون والرقص والانحناء وأحسن صناعة الأقنعة.

المجتمعات لا تسقط حين يكثر الفاسدون فقط، بل حين يصمت الشرفاء ويصبح النفاق وسيلة للترقي، وينظر إلى الصراحة على أنها جريمة وإلى الصدق باعتباره تهوراً وإلى صاحب الكرامة بأنه غير قادر على “التكيف”. لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن الأقنعة لا تعيش إلى الأبد؛ يأتي يوم تسقط فيه جميعها وينكشف كل متلون أفاق ويعرف الناس من كان صاحب موقف ومن كان مجرد تابع يلهث خلف المصلحة. ويبقى الحق، وإن تأخر انتصاره أطول عمراً من كل المنافقين وأبقى أثراً من كل المتملقين. فالتاريخ لا يحترم أصحاب الوجوه المتعددة وإنما يخلد الذين وقفوا مع الحق ولو كانوا وحدهم.