فى ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من أزمات متلاحقة وتحولات سياسية وأمنية واقتصادية متسارعة تبرز حقيقة استراتيجية مهمة مفادها أن القوة الحقيقية لا تبدأ من الخارج بل من الداخل فكما تحتاج الدول إلى مؤسسات لإدارة الأزمات واتخاذ القرار يحتاج الإنسان أيضاً إلى منظومة داخلية متماسكة تدير حياته وأهدافه وتوجهاته.
لقد كشفت الأحداث الجارية أن الخطر لا يتمثل فقط فى الصراعات والحروب وإنما فى فقدان البوصلة والارتباك وسوء ترتيب الأولويات ومن هنا تصبح التقوية الداخلية وحسن اتخاذ القرار ضرورة أساسية للنجاح والاستقرار فى عالم سريع التغير.
أولاً: لا قرار صحيح دون رؤية واضحة
الرؤية الواضحة هى نقطة الانطلاق نحو أى نجاح، فالإنسان الذى يعرف أهدافه واتجاهه يكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات والتعامل مع المتغيرات لذلك ينبغى أن يسأل كل فرد نفسه مإذا أريد أن أحقق خلال السنوات القادمة؟ وما الرسالة التى أسعى إلى إنجازها؟ إن وضوح الهدف يقلل من التشتت ويمنح صاحبه القدرة على التركيز والثبات.
ثانياً: القوة الحقيقية تبدأ من الداخل
القوة الداخلية هى الأساس الذى تبنى عليه الإنجازات وتتجسد فى عدة عناصر أهمها:
١- الإيمان بالقدرة على التغيير وعدم الاستسلام للظروف.
٢- الانضباط الذاتى والالتزام بالعادات الإيجابية.
٣- الصمود أمام الضغوط والتحديات.
٤- إدارة المشاعر والتحكم فى ردود الأفعال.
فالأزمات تكشف معادن البشر ويظهر خلالها الفرق بين من يستسلم للظروف ومن يحولها إلى فرص للنمو والتقدم.
ثالثاً: ترتيب الأولويات مفتاح النجاح
من أهم الدروس المستفادة من الأزمات الإقليمية أن الموارد والقدرات محدودة مهما بلغت، ولذلك حسن ترتيب الأولويات يمثل جوهر النجاح، فالأهداف ليست فى درجة واحدة من الأهمية بل تنقسم إلى الآتى:
١- أهداف مصيرية ترتبط بالمستقبل والاستقرار.
٢- أهداف مهمة تدعم التقدم والنمو.
٣- أهداف ثانوية يمكن تأجيلها.
وعندما تختلط هذه المستويات يضيع الجهد ويتشتت التركيز بينما يحقق أصحاب الأولويات الواضحة نتائج أكبر بإمكانات أقل.
رابعاً: كيف نتخذ القرار الصحيح؟
فى أوقات الغموض والضبابية تزداد الحاجة إلى التفكير المنهجى ولتحقيق ذلك ينبغى اتباع خطوات أساسية:
١- تحديد المشكلة الحقيقية بدقة.
٢- جمع المعلومات الموثوقة.
٣- دراسة البدائل المتاحة.
٤- تقدير المكاسب والخسائر والنتائج المستقبلية.
٥- اتخاذ القرار وتنفيذه بحسم.
فالتردد المستمر أحد أكبر معوقات النجاح بينما القرار المدروس يمنح صاحبه القدرة على التقدم بثقة.
خامساً: لا تجعل الأحداث تسرق مستقبلك
فى أوقات التوتر تزداد الشائعات ويتصاعد القلق، فينشغل البعض بمتابعة الإخبار بصورة تستهلك طاقتهم وتفكيرهم، أما الناجحون فيتابعون ما يحدث بوعى دون أن يسمحوا للأحداث بأن تعطل مسيرتهم فيواصلون التعلم والتخطيط والاستعداد للفرص القادمة.
سادساً: صناعة الإنسان قبل صناعة الإنجازات
أثبتت تجارب الأمم الناجحة أن الاستثمار الحقيقى يبدأ ببناء الإنسان، فالمعرفة والانضباط والأخلاق والمسئولية والانتماء الوطنى تشكل الأساس الذى تبنى عليه التنمية والنهضة فالإنسان الواعى القادر على التفكير واتخاذ القرار هو الثروة التى تصنع كل الثروات الأخرى.
خطوات عملية لتعزيز القوة الداخلية.
١- كتابة الأهداف بوضوح.
٢- تحديد الأولويات الأساسية.
٣- تخصيص وقت يومى للتعلم والتطوير.
٤- الابتعاد عن مصادر الطاقة السلبية.
٥- ممارسة الرياضة والانضباط البدنى.
٦- مراجعة القرارات بصورة دورية.
٧- مصاحبة أصحاب الفكر الإيجابى والنجاح.
الدروس المستفادة والتوصيات.
تؤكد التجارب أن وضوح الرؤية يحمى من التشتت، وأن القوة تبدأ من الداخل قبل أن تظهر فى الخارج، وأن إدارة الأزمات تحتاج إلى هدوء وحكمة أكثر من حاجتها إلى ردود الأفعال السريعة ولذلك يصبح من الضرورى على المستوى الفردى تنمية مهارات التفكير واتخاذ القرار وعلى المستوى الأسرى غرس المسئولية والحوار لدى الأبناء وعلى المستوى المؤسسى نشر ثقافة التخطيط الاستراتيجى وإعداد القيادات الشابة بينما يبقى الاستثمار فى التعليم وبناء الشخصية وتعزيز قيم الانتماء والعمل والإنتاج من أهم الأولويات الوطنية.
وفى النهاية.. فى زمن تتغير فيه موازين القوى وتتعاظم التحديات يبقى الإنسان الواعى هو الرهان الحقيقى للمستقبل، فكما تحتاج الدول إلى جيوش تحمى حدودها تحتاج المجتمعات إلى عقول واعية وشخصيات قوية قادرة على اتخاذ القرار الصحيح فى الوقت المناسب وإن قوة الداخل ووضوح الهدف وحسن ترتيب الأولويات هى البوصلة الحقيقية لعبور الأزمات وصناعة مستقبل أكثر استقراراً.
المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية.

