في مكة المكرمة، لا يكاد المتجول في شوارعها إلا ويستوقفه مشهد أصبح جزءًا من تعريف المكان؛ أسراب كثيفة من الحمام تحلق في الفضاء، ثم تستقر بين الناس مطمئنة، كأنها عنصر ثابت من عناصر الصورة المكية، لا يقل حضورًا عن المآذن والجوامع.
هذا المشهد لم يولد بالأمس، بل عاش في وجدان أهل مكة وسكانها وزوارها لأجيال طويلة، وتناقلت الألسن تسميته بـ«حمام الحمى» و«حمام رب البيت»، ونسجت حوله روايات متعددة؛ فمنهم من نسب أصله إلى الحمام الذي عاش على غار جبل ثور زمن الهجرة النبوية، ونقل عن الإمام السيوطي قول في ذلك، ومنهم من ربطه بطير الأبابيل. كما وثق المؤرخ المكي محمد طاهر الكردي مشاهداته لوقوف الحمام على ميزاب الكعبة المشرفة، وعرفت أوقاف في بلدان إسلامية متعددة خصص ريعها لإطعام حمام الحرم، مما يدل على عمق حضوره الرمزي في الوجدان الإسلامي.
الذاكرة الشعبية المتقدمة لا يمكن أن تهمل، فهي جزء من ثقافة المكان. وفي الوقت نفسه لا تقوم مقام النص في تقرير الحكم الثابت في السنة الشريفة بأن صيد الحرمين وتنفير صيدهما محرمان، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا البلد حرمه الله؛ لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده»، وهو حكم متعلق بالصيد والتنفير داخل حدود الحرم، وليس بإضفاء قدسية ذاتية على نوع معين من الطير. وقد قرر الفقهاء الجزاء في قتل حمام الحرم، وذكروا أن في الحمامة شاة أو مثلها صيامًا أو إطعامًا استنادًا إلى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم..}، وهو تقرير لحماية الصيد وليس توسيعًا لدلالة لم ترد.
ما أسلفته من نسبة الحمام إلى الغار أو إلى الأبابيل ليس نصًا منشئًا لحكم تعبدي خاص، وإن بقي ضمن الروايات التاريخية المتداولة. ومؤسف جدًا أن الصورة العامة للحمام اليوم لم تعد مجرد رمزية تاريخية أو مشهد جمالي؛ فالأعداد كبيرة والتكاثر مطرد والتجمعات في المنطقة المركزية والميادين الواسعة كثيفة. بعض السكان يشكون من تعشيش الحمام على النوافذ والأسطح ويضطرون إلى وسائل بدائية أو الاستعانة بشركات متخصصة لمنع تكاثره خشية الوقوع في محاذير شرعية إذا آذوه. كما تضطر فرق النظافة إلى غسل الأرصفة يوميًا لإزالة مخلفات الحمام، وبائعو الحبوب العشوائي يضاعفون تجمعات الحمام رغم المحاولات التنظيمية لأمانة العاصمة المقدسة للتعامل معها كإنشاء مواقع أو أبراج مخصصة لإيوائها في بعض الأماكن مع التنبيهات بعدم إلقاء بقايا الأطعمة في الطرقات.
مسألة الحمام في مكة ليست بين تعظيم وإنكار ولا بين محب ومخاصم بل هي بين عاطفة فردية وأثر عام. يجب أن نستشعر بأن مكة المكرمة ليست مدينة عادية بل مقصد عالمي ومسؤوليتنا في حفظ الصحة والنظام والمشهد الحضاري مضاعفة. خصوصًا أنها مدينة مقدسة تعلمنا أن العبادة ليست اندفاعًا بلا ميزان بل فعل محسوب الأثر وأن النية الصالحة معتبرة ولكن اكتمالها يكون بحسن التقدير. ومن القواعد المقررة أن درء المفاسد مقدم؛ فإذا ما تحول الإطعام من فعل محدود إلى ظاهرة تحدث أثرًا سلبيًا عامًا فإن مراجعة السلوك لا تكون انتقاصًا من الرحمة بل صيانة لها كي لا تنقلب إلى ضرر. وأختم بأن حمام الحرم ليس أسطورة تقدس وعلينا أن نعظم الحرم بالنص ونحترم الذاكرة دون أن نحيلها إلى حكم وأن نحسن إلى الحيوان دون إضرار بحياة الإنسان.

