​من رحم الطموح تولد الممالك، وفي ثنايا المقادير تتشكل حكايات المدن والقرى. بين حلم شاسع امتدت حدوده لترسم ملامح إمارة على خارطة الشرق، وبين بقعة أرض وادعة في صعيد مصر، تتجلى قصة الفارس الذي سافر خلف أمنياته؛ لتنتهي به دروب التاريخ عند قرية تحمل اسمه في قلب “عروس الصعيد”.

​هي المنيا، المحافظة الساحرة التي تنام على وسادة من التاريخ، وتستيقظ على ترانيم الحضارات المتلاحقة. فما بين صرح فرعوني ونقش يوناني، وأثر رماني يجاوره نسك مسيحي وجلال إسلامي، تقف هذه البلاد كشاهد حي مرصع بالكنوز لتتبوأ مكانتها الرفيعة كثالث أغنى المحافظات الأثرية في أرض الكنانة، بعد الأقصر والجيزة.

​وفي زاوية من زوايا هذا التاريخ العريق، تلوح بلدة صغيرة رابضة على جنبات الطريق الممتد بين القاهرة وأسوان، تخبئ في صدرها حكاية تمازج فيها وهج “الباشوية” بطموح “الإمارة”. هناك بدأت الحكاية في عام 1913، حين تلاقت رؤى “مجلس مديرية المنيا” لتأسيس قرية مستقلة تجمع شتات أراضٍ واسعة نالت قديماً اهتمام الخديوية والباشوات.

كانت تلك الأراضي، التي تخطت مساحتها أربعة آلاف فدان، تتناثر كاللآلئ في جلباب خمس قرى شملت: “الكفور الصولية، القيس، مطاي، كوم مطاي ونزلة ثابت”. ولم تكن هذه المساحات مجرد طين وزرع، بل كانت إقطاعية مترامية الأطراف يملكها رجل واحد: حبيب باشا لطف الله.

​تحركت عجلة الزمن وفي عام 1933، خط وزير المالية ببنانه قراراً فصّل بموجبه تلك “الدائرة” بزمام مالي خاص عازلاً إياها عن النواحي المحيطة. لتولد في ذلك اليوم “منشأة لطف الله”؛ قرية مستقلة تخلد اسم صاحبها الذي سقت خياله طموحات كبرى.

​واليوم تقف هذه المنشأة تحت مظلة الوحدة المحلية لمجلس قروي “أبو عزيز” بمطاي. تحرسها من الشرق مياه ترعة الإبراهيمية الجارية ويحدها غرباً كوم مطاي بينما تعانق جنوبها الشرقي كفور الصولية وتمتد من الجنوب الغربي نحو مدينة مطاي لتنتهي شمالاً عند حدود مركز بني مزار.

​ولكن من هو ذلك الرجل الذي اختزل التاريخ حلمه في لافتة قرية؟ إنه الأمير السوري المسيحي حبيب جرجس لطف الله باشا. رجل حمل أشواقه وطموحه وهاجر من بلاد الشام إلى مصر عام 1845 متخذاً من القاهرة مستقراً ومقاماً لأسرته. انخرط في عالم التجارة العريض فمد خطوط وصِلات تجارية ربطت بين إنجلترا والهند والسودان يتاجر بالثمين والنادر؛ من عاج وسن الفيل وصمغ وأقمشة فاخرة.

​ولأن التجارة ذكاء وبصيرة فقد استشعر حبيب لطف الله بريق الأرض فتحول إلى الزراعة والمصارف حتى غدا من كبار الأثرياء وأعيان المنيا يشتري الضياع تلو الضياع مستقراً في دائرته بمطاي بعد أن هجر صخب التجارة.

​لم يكن لطف الله مجرد ثري عابر بل كان رقماً صعباً في معادلة السياسة؛ إذ أنعمت عليه الحكومة المصرية بلقب “باشا” وفي عام 1910 صدح صوته تحت قبة البرلمان المصري نائباً. ولم تقف طموحاته عند حدود الوادي؛ فمد يده دعماً وسنداً للثورة العربية الكبرى وقدم مع أبنائه الغالي والنفيس للشريف حسين أمير مكة المكرمة مستشاراً سياسياً ومالياً له خلال الحرب العالمية الأولى. وتقديراً لهذا الولاء والعطاء كافأه ملك الحجاز عام 1920 بمنحه وأبنائه لقب “الإمارة”.

​من قصره في عابدين كان الأمير حبيب باشا لطف الله يدير أملاكه وبجواره أبناؤه: ميشيل وحبيب وجورج. وفي تلك الأروقة كان هناك حلم كبير يداعب خيال الباشا؛ حلم تشييد دولة كبرى في سوريا والعراق مملكة عربية نابضة بالحياة يحكمها أمير مسيحي ويكون فيها خديو مصر ملكاً وخليفة للمسلمين تحت مظلة الحماية الإنجليزية.

​كان حلماً يجمع بين العاطفة القومية والمناورة السياسية لكن رياح الإنجليز جرت بما لا تشتهي سفن الباشا فقوبل مقترحه بالرفض. ومع تبدد السراب السياسي تقلص ذلك الحلم الإمبراطوري الشاسع ليتكثف ويتحول من خريطة دولة مأمولة في المشرق إلى حدود قرية حقيقية وادعة في صعيد مصر.. قرية “لطف الله” التي بقيت شاهدة على أن عِظم الرجال لا يقاس دائماً بمساحة ممالكهم بل بنبل أحلامهم التي تركوها وراءهم في ذاكرة الطين والتاريخ.