شهدت مسيرة حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، تحولًا لافتًا خلال مشوار الفراعنة في كأس العالم 2026، حيث نجح في تغيير الصورة الذهنية التي ارتبطت به لسنوات، لينتقل من شخصية مثيرة للجدل إلى قائد التف حوله ملايين المصريين بعد الإنجاز التاريخي بالتأهل إلى دور الـ16 للمرة الأولى في تاريخ المنتخب.
عانى المنتخب منذ انتهاء جيل حسن شحاتة في 2010 من غياب الدعم الجماهيري بشكل كبير، إذ هجرت الجماهير المصرية المدرجات لأسباب متعددة، واختفت التجمعات في المقاهي والميادين. لكن مع عودة العميد، توحد الجميع خلف هدف واحد وهو دعم منتخب مصر.
بينما كان “العميد” محورًا للخلافات داخل الوسط الرياضي، فرضت نتائج منتخب مصر وشخصيته الجديدة واقعًا مختلفًا جعل الجماهير بمختلف انتماءاتها تتوحد خلف المنتخب ومدربه في أهم محطة كروية بتاريخ الكرة المصرية.
سنوات من الجدل والصدام.
ارتبط اسم حسام حسن على مدار مسيرته التدريبية واللاعبية بالعديد من المواقف المثيرة للجدل التي أدت إلى خصومات مع جماهير أندية وشخصيات رياضية وإعلامية.
بعد انتقاله من الأهلي إلى الزمالك عام 2004، دخل في صدام مع قطاع واسع من جماهير القلعة الحمراء. كما أثار غضب جماهير الزمالك في عام 2017 إثر الواقعة الشهيرة التي رفع خلالها إشارتين باللونين الأحمر والأخضر خلال مباراة المصري والزمالك، مما فُهم على أنه تعبير عن انتمائه للأهلي والمصري فقط.
كما شهدت مسيرته خلافات متكررة مع مدربين وإعلاميين ولم تخلُ أيضًا من انتقادات علنية لبعض لاعبيه سواء خلال تدريبه للأندية أو في بدايات قيادته لمنتخب مصر.
شخصية جديدة مع منتخب مصر.
مع انطلاق كأس العالم 2026، بدا حسام حسن بصورة مختلفة تمامًا؛ إذ اتسمت تصريحاته بالهدوء والاتزان وابتعد عن لغة التصعيد مفضلًا التركيز على رفع الروح المعنوية للاعبين وتعزيز الثقة داخل المعسكر.
أشاد الكثيرون بطريقة تعامله مع اللاعبين وأعضاء الجهاز الفني، وهو ما انعكس بوضوح على حالة الانسجام التي ظهر بها منتخب مصر طوال البطولة.
زرع عقلية الانتصار داخل الفراعنة.
منذ بداية مشواره مع المنتخب، رفض حسام حسن التقليل من قدرات الكرة المصرية أو التذرع بضعف الدوري المحلي وقلة المحترفين. مؤكدًا في جميع مؤتمراته الصحفية أن منتخب مصر يظل أحد كبار القارة الأفريقية وصاحب تاريخ عريق في كرة القدم.
ورغم تصريحاته السابقة قبل توليه المهمة التي وصف خلالها المنتخب بأنه يمتلك “محترفين وربع”، حرص المدرب البالغ من العمر 59 عامًا خلال البطولة على ترسيخ ثقافة الثقة بالنفس مؤكدًا أن الفراعنة قادرون على منافسة أقوى المنتخبات مهما كانت الأسماء.
انتقلت هذه الرسالة إلى اللاعبين الذين كرروا الحديث عن تاريخ منتخب مصر وقدرته على مواجهة أي منافس دون خوف. وقبل المواجهة المرتقبة أمام الأرجنتين في دور الـ16 شدد حسام حسن على أن منتخب مصر “لا يهاب أحدًا” رغم وجود ليونيل ميسي على رأس كتيبة بطل العالم.
رهانات فنية صنعت الفارق.
تعرض حسام حسن لانتقادات واسعة عقب إعلان قائمة منتخب مصر المشاركة في كأس العالم 2026، إلا أن اختياراته أثبتت نجاحها داخل الملعب.
كان أبرز رهاناته الاعتماد على مصطفى عبد الرؤوف “زيكو” مهاجم بيراميدز الذي لم يكن ضمن الترشيحات الجماهيرية قبل البطولة. ورد اللاعب على ثقة مدربه بتسجيل هدف مهم في مرمى نيوزيلندا إلى جانب تقديم مستويات مميزة منحته مكانًا أساسيًا في تشكيل الفراعنة، متفوقًا في بعض المباريات على عمر مرموش في مركز رأس الحربة.
حسام حسن يستمع لأول مرة.
واحدة من أبرز التحولات التي شهدها الجهاز الفني لمنتخب مصر تمثلت في تغيير أسلوب العمل داخل المعسكر. فعلى عكس ما كان معروفًا عنه طوال مسيرته التدريبية أصبح حسام حسن أكثر انفتاحًا على آراء مساعديه ومنح محللي الأداء وأعضاء الجهاز الفني مساحة أكبر للمشاركة في اتخاذ القرار.
ظهرت هذه الروح الجماعية بوضوح قبل ركلات الترجيح أمام أستراليا حين لعب محلل الأداء محمود سليم دورًا مؤثرًا في تجهيز اللاعبين. كما شوهد المدرب يناقش التفاصيل الفنية مع محمد صلاح أثناء المباريات.
من الصدام إلى الاحتواء.
كان أكثر ما يقلق الجماهير قبل تولي حسام حسن قيادة المنتخب هو أسلوب تعامله مع النجوم بسبب تاريخه الطويل مع الخلافات داخل غرف الملابس. ولكن الواقع جاء مختلفًا إذ نجح المدير الفني في احتواء جميع الأزمات سريعًا وتحويل أي خلاف إلى نقطة قوة داخل الفريق.
ورغم الأزمة التي نشبت مع المدافع أحمد حجازي، انتهت الأمور بانسجام كامل داخل المعسكر بينما أشاد محمد صلاح بالأجواء داخل المنتخب مؤكدًا أن المعسكر الحالي يعد من أفضل المعسكرات التي عاشها طوال مسيرته الدولية.
كما لفتت لقطة احتضان حسام حسن لعمر مرموش وتقبيل رأسه بعد استبداله أمام أستراليا الأنظار لتصبح واحدة من أبرز صور البطولة وتعكس تغير أسلوب المدرب في إدارة نجوم الفريق.
دموع العميد توحد الجماهير.
لم تقتصر أسباب الالتفاف الجماهيري حول حسام حسن على النتائج فقط بل امتدت إلى طريقته في الاحتفال والتواصل مع الجماهير. فبعد كل انتصار كان المدير الفني يطوف أرض الملعب حاملًا علم مصر بينما غلبته الدموع أكثر من مرة خلال حديثه عن الإنجاز التاريخي بالتأهل إلى دور الـ16 مؤكدًا أن ما تحقق هو هدية للجماهير المصرية التي ساندت المنتخب في كل مكان.
كما لاقت تصريحاته الإنسانية وإهداؤه الانتصارات إلى “الجماهير الغلابة” صدى واسعًا لدى الشارع المصري قبل أن تعزز مواقفه الداعمة للقضية الفلسطينية مكانته لدى الجماهير العربية.
وبين إنجاز تاريخي وشخصية أكثر هدوءً ورسائل وحدت الجماهير، نجح حسام حسن في كتابة فصل جديد من مسيرته ليصبح أحد أبرز عناوين نجاح منتخب مصر في كأس العالم 2026 ويحول سنوات الجدل إلى قصة التفاف وثقة وطموح.

