حرية الرأي والتعبير: الحق الدستوري وضوابط القانون وفق رؤية الدكتور محمد حمزة
إن حرية الفكر والرأي والتعبير حق أصيل للإنسان أينما وجد وحيثما حل، وهو ما نصت عليه وألزمت به القوانين والصكوك الدولية والدساتير الوطنية والقوانين المكملة لها، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948م (المادتان 18-19) والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية 1966م (المادة 19) والدساتير الوطنية والقوانين المكملة لها، ومنها الدستور المصري الحالي (المواد 65-68) والمادتان 70-71 المتعلقة بحرية الفكر وحرية البحث العلمي وحرية الإبداع الفني والأدبي وحرية تداول المعلومات وحرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والإلكتروني وحظر فرض الرقابة.
وكذلك استقرت أحكام المحكمة الدستورية العليا على وضع قواعد صارمة لحماية حرية التعبير وتعدد الآراء والنقد البناء، المؤلم لكونهما أداة للتغيير. وبالنسبة للقوانين المكملة، فلدينا قانون العقوبات وقانون تنظيم الصحافة والإعلام وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وغيرها.
وعلى ذلك، فكل القوانين والصكوك الدولية والدساتير والقوانين المحلية نصت على حرية الفكر والرأي والتعبير بل وحماية هذا الحق الأصيل وتوفير البيئة الآمنة لممارسته دون تضييق ودون تغول السلطات التنفيذية على هذا الحق.
إذا كانت الحرية الداخلية لأي شخص حق مطلق له في التفكير واعتناق الآراء وتغيير معتقداته وقناعاته الفكرية والسياسية والدينية والعلمية دون أي تدخل خارجي، فلا يمكن لأي سلطة تقييد هذا الحق لأنه يقع في دائرة الوعي الداخلي للإنسان.
أما إذا ما حاول الإنسان إعلان أفكاره ونشرها عبر الكلمة أو الكتابة أو الفن أو وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، ففي هذه الحالة تصبح الحرية غير مطلقة لأنها تحولت إلى ممارسة علنية. ومن هنا وضعت القوانين الدولية والمحلية ضوابط محددة وقيود مقررة لحماية المجتمع والدولة.
هذه الضوابط تهدف إلى إيجاد توازن دقيق بين تمكين الأفراد من حرية التعبير عن آرائهم وبين حماية المجتمع والأمن القومي من إساءة استخدام هذا الحق.
تتعلق هذه الضوابط بمنع التحريض على العنف أو الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية ومنع التمييز ونشر الأخبار الكاذبة وحماية الحقوق والسمعة الشخصية والخصوصية والأمن القومي والنظام العام والصحة العامة والآداب العامة وحرمة القضاء.
يطرح تساؤل مهم وخطير: هل يعد تزييف التاريخ وتضليل الناس والمجتمع وتسطيح الوعي وزلزلة الثوابت وإثارة الشبهات التاريخية والدينية والتشكيك في مصداقيتها وصناعة تاريخ بديل وتفتيت الهويات وإحلال هويات جديدة حقاً أصيلاً من حقوق حرية الفكر والرأي والتعبير أم يعد جريمة مستقلة يعاقب عليها القانون؟
هذا ما نراه ونشاهده في العديد من البرامج والمنصات الرقمية وقنوات اليوتيوب الخاصة ومنصات البودكاست. ومن بين هذه وتلك برنامج مختلف عليه لإبراهيم عيسى على قناة الحرة وبرنامج متواليات يوسف زيدان على قناة الغد ومنصة بودكاست مجتمع للدكتور باسم الجمل.
ومنصة بودكاست جدليات لمؤسسة تكوين إبراهيم عيسى وألفة يوسف وعمرو عبد الحميد وبرامج إسلام بحيري وخالد منتصر. وقنوات حامد عبد الصمد ورشيد إيلال ورشيد حمامي ومحمد المسيح وسامي الديب وكريستوف لوكسنبرغ والقمص زكريا بطرس والأخ وحيد والأخت فرحة ومالك مسلماني وغير ذلك كثير؟
من الملاحظ أن الضيوف ثابتون ويتنقلون بين هذه البرامج ويجمعهم صداقات قوية ويرددون نفس الكلام. ومن بين هؤلاء وأولئك زكريا أوزون (قبل وفاته) وألفة يوسف ونايلة أبي نادر وسيد القمني (قبل وفاته) ويوسف زيدان وهالة وردي وفراس السواح وخزعل الماجدي وفاضل الربيعي (قبل وفاته) وغيرهم؟
سوف نقوم بنشر بعض ما تم تداوله وترديده في هذه البرامج من قبل البعض كـ هالة وردي وفراس السواح ويوسف زيدان كي نعرف مدى خطورة هؤلاء الأشخاص على الأفراد والمجتمع والدولة؟
الحق إن مصطلح تزييف التاريخ لم يرد بشكل نصي مباشر وصريح في الدستور المصري والقوانين المكملة له كجريمة مستقلة يعاقب عليها، ولكن يتم تجريم هذا الفعل ومكافحته عبر مواد حماية الهوية الوطنية ومواد التزوير المادي وقوانين مكافحة الشائعات والأخبار الكاذبة. فإن تزييف التاريخ والتراث يعد اعتداءً مباشراً على الهوية (المادتان 47 و50 من الدستور المصري) والمادتان 80 د و102 مكرر من قانون العقوبات تجرم من قام بنشر الأخبار الكاذبة والشائعات؟
وكذلك قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018م (المادتان 25-26).
الخلاصة: يحرم من قام بنشر معلومات مزيفة أو كاذبة تهدف إلى المساس بالأمن القومي أو قيم المجتمع؟
إذن القوانين قاصرة وتحتاج إلى تعديل بإضافة مادة فحواها أن تزييف التاريخ وتضليل الناس وإثارة الشبهات والتشكيك في الثوابت الدينية والتاريخية تعد جريمة.
إن الأخبار الزائفة والتضليل وإثارة الشبهات والتشكيك في الثوابت الدينية والتاريخية وفي الرموز الوطنية تعد تعسفاً في إساءة استعمال حق حرية الفكر والرأي والتعبير بل وانحرافاً عن غايته الأخلاقية والقانونية؟
إن حرية الرأي مكفولة في البحث العلمي والنقاش الأكاديمي وفقاً للمنهج العلمي السليم وفي ضوء الأدلة المتوافرة، ولكنها لا تمنح غطاءً قانونياً لنشر الأكاذيب وإثارة الشبهات والتشكيك في الثوابت التاريخية والدينية أو تزييف الحقائق التاريخية الثابتة والمستقرة بغرض توجيه الرأي العام؟
علماً أن القانون الدولي قد ميز أو فرق بين المراجعة التاريخية المشروعة بناءً على وثائق جديدة أو أدلة علمية ومادية مكتشفة وبين التزييف والتضليل وإنكار الحقائق من خلال التشكيك وإثارة الشبهات وزلزلة الثوابت واختلاق وقائع كاذبة لا سند لها أو طمس أدلة قائمة بسوء نية بهدف التضليل؟
إن نشر الأكاذيب وتزييف وعي الشعوب يؤدي إلى نتائج عكسية تدمر الحق نفسه. فعندما تغرق وسائل الإعلام والمنصات الرقمية بالمعلومات الزائفة يفقد الأفراد القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم مما يمنعهم من تشكيل رأي حر وحقيقي مبني على وقائع؟
ويضاف إلى ذلك أن تزييف التاريخ غالباً ما يرتبط بتوليد أحقاد عرقية أو دينية عبر اختلاق سرديات تاريخية وهمية تغذي النزاعات والفتن الطائفية؟
ولذلك يجب وعلى وجه السرعة التصدي بمنتهى الحزم والصرامة لهذه الظاهرة التي ذاعت وانتشرت خلال العقدين الأخيرين من خلال متابعة ومراقبة منصات التواصل ومحركات البحث وتطبيق سياسات الحظر لهذا النوع من المحتوى الخطير والهدام؟
وكذلك مكافحة الحسابات الوهمية والذباب الإلكتروني ومواجهة أثر الذكاء الاصطناعي Ai والتزييف العميق “Deep fakes”.
فضلاً عن مكافحة ومواجهة ما يعرف بالتزييف التاريخي الفوري من خلال أدلة بصرية وهمي (مقاطع فيديو وفيديوهات أرشيفية) لتوجيه الرأي العام وبناء سردية كاذبة تترسخ في الأذهان فوراً كحقيقة تاريخية؟ وهو ما يؤدي إلى تأكل الثقة في التوثيق البصري لأنه يضرب الدليل الحقيقي نفسه مما يؤدي إلى ضياع الحقيقة التاريخية؟
ليس أدل على أهمية الحقيقة التاريخية من الإشارة إلى تلك القضايا الدولية حول إنكار التاريخ والتي تم الحكم فيها ومن بينها قضية ديفيد إيرفينغ ليبستادت عام 2000م وقضية روجيه غارودي ضد فرنسا عام 2003م وقضية بير ينشيك ضد سويسرا عام 2015م؟
الخلاصة: إن حرية الفكر والرأي والتعبير ليست حرية مطلقة بل حرية مقيدة وفق ضوابط ومعايير قانونية مقررة ومحددة، وبالتالي فهي لا تمنح صاحبها غطاءً قانونياً لتزييف التاريخ وتضليل الناس وزلزلة الثوابت وإثارة الشبهات والتشكيك في الرموز واختلاق تاريخ بديل وإحلال هويات جديدة. ومن هنا يجب على الدول والحكومات والسلطات التنفيذية والتشريعية التصدي لأمثال هؤلاء من الوجوه المكررة التي تتصدر المشهد الإعلامي وكلهم ليسوا من المتخصصين بل من المتعيشين والمتسببين وخلفهم مؤسسات ومنظمات وتحالفات من رجال الأعمال في الداخل والخارج تدعمهم تحت ستار التنوير والتجديد والفكر الحر وغير ذلك من الشعارات البراقة؟
حتى يتم تعديل القوانين ذات الصلة والنص الصريح المباشر على أن تزييف التاريخ يعد جريمة لا علاقة لها بحرية الفكر والرأي والتعبير ما دامت قد خرجت من دائرة الوعي الداخلي للإنسان أو الحرية الشخصية إلى الممارسة العلنية ونشرها بكافة الوسائل كما أشرنا، يجب منع الظهور الإعلامي المتكرر لهؤلاء من جهة وحظر المحتوى الخاص بهم من جهة ثانية حتى يقول القانون كلمته.

