مع أول شعاع من الشمس ينعكس على سطح البحر، يبدأ يوم مختلف بالنسبة لرجال لا يعرفون التهاون. يرتدون زيهم المميز، يتفقدون معداتهم، ويثبتون أعينهم على الأفق. بالنسبة للمصطافين، هو يوم للترفيه والاستجمام، بينما يعتبرونه هم يوم عمل قد يفصل بين الحياة والموت.
على امتداد شاطئ بورسعيد الذي يتجاوز 6 كيلومترات، يقف رجال الإنقاذ في مواقعهم منذ الساعات الأولى من الصباح، يراقبون حركة الأمواج ويتابعون كل من يقترب من المياه. لا تغيب عن أيديهم صفارة الإنذار التي تتحول في لحظة إلى رسالة عاجلة تدعو الجميع للانتباه.
يقول طارق عثمان، مسئول إنقاذ شاطئ بورسعيد في نطاق حي الشرق، إن مهمتهم تبدأ قبل وصول المصطافين. يتم التأكد من سلامة الأبراج وفحص العوامات وتجهيز أدوات الإسعاف والإنقاذ، ثم توزيع أفراد الفريق على طول الشاطئ لضمان تغطية جميع المناطق بالمراقبة.
خلال ساعات الذروة، لا تتوقف العيون عن الحركة. فكل سباح قد يحتاج إلى المساعدة، وكل طفل يبتعد عن أسرته قد يتحول إلى بلاغ عاجل، وكل تغير في حالة البحر يستدعي استعدادًا فوريًا. يكمل “عثمان” حديثه بنبرة حازمة: “تبدو صفارة الإنقاذ للمصطافين مجرد صوت عابر، لكنها بالنسبة لرجال الإنقاذ تعني بدء سباق مع الزمن”. فبمجرد إطلاق الصفارة، تتجه الأنظار إلى مصدر الخطر ويتحرك أفراد الفريق بسرعة لتأمين المنطقة وإبعاد المصطافين الآخرين. بينما يتولى أحد المنقذين النزول إلى المياه لإنقاذ الحالة في مشهد يتكرر عشرات المرات خلال الموسم الصيفي.
وأضاف أنه في الحالات التي يكون فيها المصاب بعيدًا عن الشاطئ، يصبح “الجيت سكي” الوسيلة الأسرع للوصول إليه. حيث ينطلق قائد الدراجة المائية بسرعة كبيرة فوق الأمواج مستفيدًا من قدرتها على المناورة والوصول إلى الأماكن التي يصعب بلوغها سباحةً. ليتم نقل المصاب إلى أقرب نقطة آمنة في دقائق معدودة قد تكون الفاصل بين النجاة والخطر.
عوامات تنقذ الأرواح
قبل أن تكون العوامات مجرد أدوات تطفو فوق المياه، فهي خط الدفاع الأول في عمليات الإنقاذ. يحملها المنقذ معه أثناء الاقتراب من الغريق لتمنحه وسيلة آمنة للطفو وتخفف من حالة الذعر التي قد تدفعه للتشبث بالمنقذ بطريقة تعرضهما معًا للخطر.
كما تحدد العوامات المخصصة داخل البحر مناطق السباحة الآمنة وتنبه المصطافين إلى الحدود التي يجب عدم تجاوزها حفاظًا على سلامتهم.
لا تقتصر خطورة المهمة على إنقاذ الغرقى؛ فالأمواج العالية والتيارات المائية المفاجئة والإجهاد البدني الناتج عن تكرار النزول إلى البحر كلها تحديات تواجه رجال الإنقاذ يوميًا.
وشدد مشرف الإنقاذ على أنه رغم هذه التحديات فإنهم يواصلون عملهم بهدوء وثقة؛ مدربين على اتخاذ القرار في ثوانٍ معدودة وعلى التعامل مع مختلف السيناريوهات الطارئة.
مع غروب الشمس يبدأ المصطافون في مغادرة الشاطئ بينما يراجع رجال الإنقاذ أحداث يوم طويل بين إنذارات وحالات إسعاف وعمليات إنقاذ وابتسامات ارتسمت على وجوه أسر نجت من لحظات عصيبة.
قد لا يتذكر كثيرون أسماء هؤلاء الرجال، لكن البحر يعرفهم جيدًا… فهم حراس الشاطئ الذين يقفون كل يوم بين الأمواج والحياة ليعود آلاف المصطافين إلى منازلهم سالمين بعد يوم بدا عاديًا للجميع لكنه كان بالنسبة لهم مهمة لا تحتمل الخطأ.

