تواجه إسبانيا وفرنسا حرائق غابات هائلة أدت إلى نزوح ما لا يقل عن 250 ألف شخص من منازلهم، حيث تستمر النيران، المدفوعة بموجات الحر الناتجة عن تغير المناخ، في اجتياح جنوب غرب أوروبا. كما امتدت الحرائق إلى مناطق أخرى في إيطاليا واسكتلندا.

في فرنسا، قامت السلطات بنشر طائرة شحن عسكرية للمساعدة في مكافحة الحرائق، بينما صرح رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بأن عطلة نهاية هذا الأسبوع تمثل فرصة سانحة للتصدي لهذه الحرائق، كما نشر الاتحاد الأوروبي طائرات احتياطية في كلا البلدين.

تأتي هذه الحرائق في عام شهدت فيه أوروبا احتراق مساحات من الأراضي تفوق بكثير المتوسط السنوي للفترة نفسها وفقًا لبيانات حرائق الغابات.

تؤدي أزمة المناخ إلى طقس أكثر حرارة وجفافًا، مما يهيئ الظروف لمواسم حرائق أشد ضراوة، إذ تعمل على تجفيف الأرض واستنزاف المياه من الأنهار والبحيرات والتربة.

تأثير الشتاء الرطب على اشتعال النيران

يُرجح أن يكون الشتاء الرطب بشكل غير طبيعي الذي شهدته أوروبا، مع هطول أمطار طويلة الأمد وعواصف متكررة في شهري يناير وفبراير، عاملاً مؤثرًا في حرائق الغابات. إذ حفزت الرطوبة العالية خلال فصل الشتاء نمو الأعشاب والشجيرات والنباتات الأخرى، كما أفادت شبكة “سي إن إن”.

ارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في أوروبا الغربية خلال مايو الماضي، بالتزامن مع انخفاض حاد في هطول الأمطار في فرنسا وإسبانيا مما أدى إلى الجفاف. وبسبب توقف المطر بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، جفت التربة الرطبة بسرعة غير مسبوقة، وهي ظاهرة تُعرف باسم الجفاف المفاجئ.

تشير الأبحاث إلى أن تأثير الاحتباس الحراري الناتج عن تلوث المناخ قد زاد بشكل ملحوظ من وتيرة وشدة حالات الجفاف المفاجئ في أوروبا. حيث يعمل الغلاف الجوي الأكثر حرارة كإسفنجة جافة تمتص رطوبة التربة بشراهة مما يخلق جفافًا يغذي الحرائق.

أسباب اشتعال الغابات والمساحات المتضررة

تشهد أوروبا حرائق غابات أكثر من المعتاد هذا الصيف بعد أن أدت درجات الحرارة الحارقة إلى جفاف الغطاء النباتي لدرجة أن المناظر الطبيعية أصبحت أشبه بعلبة كبريت قابلة للاشتعال. وإذا اشتعلت أي شرارة فإن النباتات تكون جافة للغاية مما يسهل انتشار النيران.

تفاقم هذا الوضع بسبب شتاء ممطر أنتج نباتات جديدة ما يعني وجود المزيد من المواد القابلة للاشتعال. وقد شهدت القارة هذا العام احتراق مساحات من الأراضي تفوق بكثير المتوسط السنوي للفترة نفسها وفقًا لبيانات النظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات. ومع ذلك كانت مساحة الأراضي المحترقة حتى 22 يوليو أقل بقليل مما كانت عليه خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

الوضع في فرنسا يعتبر غير مسبوق، فقد سجلت البلاد بالفعل أكثر من 300 حريق غابات هذا العام مقارنة بمتوسط سنوي يبلغ 93 حريقًا وفقًا للهيئة الأوروبية لأبحاث الحرائق والغابات. حيث تؤدي أزمة المناخ إلى طقس أكثر حرارة وجفافًا يمهد الطريق لمواسم حرائق أشد ضراوة.

وصلت نسبة رطوبة التربة في فرنسا إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق لهذا الوقت المبكر من فصل الصيف، وهي تقترب من أدنى المستويات المسجلة وفقًا لهيئة الأرصاد الجوية الفرنسية.

أوضاع النازحين في منطقة بوردو

أدت حرائق الغابات الهائلة إلى إجلاء أكثر من 250 ألف شخص من منازلهم في فرنسا وإسبانيا. وفي فرنسا تم إجلاء أكثر من 167 ألف شخص في منطقة جيروند، وطلب المسؤولون من 31 ألف شخص آخرين مغادرة منازلهم في منطقة لاند المجاورة.

أظهرت صور ومقاطع فيديو النازحين في مدينة بوردو وهم يحملون أمتعتهم ويستريحون في الملاجئ بعد مغادرة منازلهم المهددة بالنيران.

توقعات بتحسن الأحوال الجوية

بدأت الطبيعة بتقديم بعض الراحة المؤقتة بعد صيف حار قياسي في أجزاء كثيرة من فرنسا وإسبانيا. حيث سجلت مدينة بوردو الفرنسية درجة حرارة بلغت حوالي 30 درجة مئوية يوم الجمعة لكنها انخفضت إلى حوالي 20 درجة مئوية يوم السبت. ومن المتوقع أن تصل الحرارة إلى منتصف العشرينات يوم الأحد ما يوفر راحة للفرق التي تكافح الحرائق.

كما يُنتظر تحسن حالة الرياح أيضًا حيث ستصل سرعتها القصوى إلى ما بين 10 و15 كيلومترًا في الساعة نهاية هذا الأسبوع مما يمنح فرق الإطفاء فرصة كبيرة لزيادة عمليات احتواء الحرائق. هناك احتمال ضئيل لهطول أمطار متفرقة قد تسهم أيضًا في إخماد النيران.

تعديلات في سباق فرنسا للدراجات

أعلن المنظمون عن تقصير المرحلة الأخيرة من سباق فرنسا للدراجات لهذا العام بسبب الجهود المبذولة لمكافحة حرائق الغابات جنوب غرب البلاد. بدلاً من الانطلاق من بلدة ثويري سيخوض المتسابقون فقط سباق المرحلة النهائية عبر وسط باريس لتقليل الضغط على خدمات الطوارئ.

قررت وزارة الداخلية الفرنسية إعادة توزيع بعض الأفراد المقرر أن يوفروا الأمن للسباق، حيث يرافق عدد كبير من ضباط الشرطة المتسابقين ويؤمنون مسارات طويلة يوميًا. وقد تأثر السباق هذا العام بالحرارة الشديدة وتم تقصير المرحلة الثالثة سابقًا ومنع المتفرجون من مشاهدة الجزء الأخير منها.

فكرت السلطات المحلية أيضًا بإلغاء تلك المرحلة وهو أمر كان سيمثل سابقة تاريخية للسباق الذي لم يتوقف إلا خلال الحربين العالميتين وجائحة “كوفيد”.

رسائل طمأنة للسياح في فرنسا

حث وزير فرنسي السياح على عدم إلغاء خطط سفرهم إلى فرنسا رغم حرائق الغابات الشديدة المشتعلة جنوب غرب البلاد. وأكدت إليونور كاروا وزيرة الشراكات الدولية الفرنسية أن معظم أنحاء البلاد لم تتأثر بالحرائق.

صرحت كاروا لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” بأن هناك مناطق بأكملها بخير وأن هذه الظواهر تحدث أيضًا بإسبانيا ودول أخرى. وصفت الحرائق بأنها مأساة غير مسبوقة وأسوأ بكثير مقارنة بالعام الماضي وعام 2022 مشيرةً إلى أن المناخ يتغير وأن قادة العالم يجب أن يأخذوا الأمر على محمل الجد.

جهود الإنقاذ والدعم الأوروبي

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن أوروبا تقف بجانب فرنسا وإسبانيا وأوضحت أن الاتحاد الأوروبي نشر خمس طائرات ومروحيتين ضمن الاحتياطي الاستراتيجي للأزمات في فرنسا بينما ستصل أربع طائرات إضافية إلى إسبانيا اليوم.

تطورات عمليات الاحتواء في أوروبا

يكافح رجال الإطفاء لاحتواء الحرائق التي أجبرت أكثر من 250 ألف شخص على الإخلاء. وفي إسبانيا جرت عمليات إجلاء إضافية ليصل إجمالي النازحين لأكثر من 70 ألف شخص كما تم إخلاء مركز القيادة الذي ينسق الجهود في مدريد ونقله لموقع جديد بسبب التهديدات القائمة.

زار رئيس الوزراء الإسباني موقع الحرائق وأكد وجود فرصة سانحة لمكافحة الحريق خلال نهاية الأسبوع. وفي فرنسا أكدت السلطات أن الحريق في جيروند لم يعد ناتجًا عن الحمل الحراري مما يعني أنه ينتشر بوتيرة أبطأ لكنه لا يزال يشكل خطرًا. وقد أصيب ما لا يقل عن 27 رجل إطفاء أثناء العمليات.

اندلعت حرائق كبيرة أيضًا في اسكتلندا وإيطاليا حيث حشدت السلطات الإيطالية آلاف الجنود للمساعدة خصوصاً في صقلية وتم الإبلاغ عن 344 حريق يوم الأربعاء وأكثر من 160 حريق آخر خلال اليوم السابق فقط.