لم يعد حوض البحر الأحمر مجرد ممر مائي حيوي تعبره ناقلات النفط العملاقة والسفن التجارية بين الشرق والغرب؛ بل تحول إلى منطقة صراع وتنافس جيوسياسي شديد التعقيد، وأحد أهم وأخطر خطوط الصدع العالمية.
تظهر أولى المؤشرات الدالة على هذا التحليل من خلال الأرقام الصادمة التي تعكس معطيات الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر. فالبحر الأحمر يُوصف مجازياً بـ”النخاع الشوكي” للإنترنت العالمي، حيث يضم قاعه شبكة حيوية تتكون من 17 كابلاً بحرياً عملاقاً للاتصالات، تمر عبرها أكثر من 95% من حركة الإنترنت والبيانات والمعاملات المالية بين الشرق والغرب. وبالتالي، فإن أي تخريب لهذه الكابلات يعني عزل قارات كاملة رقمياً، وإصابة حركة التدفق المالي الدولي بالشلل التام، مما يرفع كلفة الصراع إلى مستويات غير مسبوقة.
وعلى مستوى التجارة التقليدية، تعبر مياه الحوض سنوياً ما يقارب 12% من حجم التجارة العالمية، و10% من إجمالي معروض النفط العالمي المحمول بحراً، مما يجعله المحرك اللحظي لأسعار الطاقة وسلاسل التوريد. وعندما تضطر السفن إلى تغيير مساراتها نتيجة غياب الاستقرار، فإن الالتفاف حول طريق “رأس الرجاء الصالح” يفرض كلفة زمنية باهظة تتطلب 14 يوماً إضافياً ومسافات شحن شاقة. وقد أدى هذا التحول اللوجستي إلى زيادة ضخمة في كلفة شحن الحاويات القياسية تصل في بعض الأحيان إلى ثلاثة أضعاف.
ولا تتوقف الأزمة عند الشق المالي؛ بل تمتد لتشمل الأبعاد البيئية أيضاً، حيث تسببت رحلات الالتفاف حول أفريقيا في حوالي 20% من انبعاثات الكربون الإضافية للشحن البحري العالمي، في وقت أصبحت فيه التغيرات المناخية تهديداً بالغ الخطورة على الأمن العالمي.
هذه الأرقام توضح كيف تتحول الجغرافيا إلى عصب وجودي، وتشير أيضاً إلى أن حوض البحر الأحمر يتداخل فيه نمطان خطيران من الصراع: صراع مادي اقتصادي فوق الماء وصراع سيبراني رقمي (واقتصادي أيضاً) صامت تحت الماء.
ثانية هذه المؤشرات هي تلك العسكرة وحرب الموانئ غير المسبوقة على طول الساحل الغربي للبحر الأحمر (منطقة القرن الإفريقي)، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على تزاحم القواعد العسكرية التقليدية (الأمريكية والصينية والفرنسية) في جيبوتي، بل امتد ليتداخل مع تطورات أخرى متعددة، منها مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري سيادي على البحر الأحمر. وقد ترجمت أديس أبابا ذلك عبر اتفاقها المخالف للقانون الدولي مع إقليم “أرض الصومال” (صوماليلاند) الانفصالي للحصول على شريط ساحلي وقاعدة عسكرية. وهو التحرك الذي يهدد توازنات القوى في المنطقة ويثير مخاوف قوى إقليمية من ولادة فاعل بحري جديد غير متوقع في الحوض. وفي السياق ذاته يبرز هذا التحول الاستراتيجي المتمثل في اعتراف إسرائيل بإقليم “أرض الصومال”، مع سعي “تل أبيب” لتأمين موطئ قدم استراتيجي ونقاط مراقبة استخبارية وعسكرية في خليج عدن والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر بما يسمح لها بفرض معادلة جديدة ونفوذ متصاعد في وجه خصومها في الحوض.
يتقاطع مع هذا وذاك صعود بارز لدور قوى إقليمية متوسطة مثل تركيا والإمارات التي تسعى للاستحواذ على إدارة وتطوير موانئ استراتيجية بالقرن الإفريقي مثل بربرة ومقديشو. فيما تتحرك مصر بكل وزنها وثقلها الاستراتيجي لتفرض حضورها العسكري الوازن داخل الصومال ونفوذها السياسي والدبلوماسي الواسع عبر تحالفاتها المتعددة في القرن الإفريقي، لا سيما مع إريتريا والصومال.
إن تعدد أدوار الفاعلين الإقليميين في منطقة الساحل الغربي لحوض البحر الأحمر (القرن الإفريقي)، مع التآكل الواضح في قدرة القوى العظمى التقليدية على فرض الاستقرار بمظلاتها الغربية المعتادة، يهدد بنشوء محاور بحرية جديدة تعيد رسم توازنات النفوذ وتفتح الباب أمام صراعات إقليمية أوسع نطاقاً.
أمام كل هذه المعطيات المعقدة يتحول حوض البحر الأحمر من مجرى مائي حيوي إلى “العقدة المركزية” الفاصلة في جيوسياسة القرن الحادي والعشرين والنقطة التي تلتقي فيها حروب الطاقة ومخاطر التهديد السيبراني العالمي وحروب السياسة الوطنية والصراعات الإقليمية لفرض معادلات أمنية جديدة.
باختصار، لن يعود حوض البحر الأحمر إلى سابق عهده قريباً، وسيستمر غياب الحوكمة الدولية والإقليمية لتلك المنطقة، مما سيؤدي إلى بقاء المنظومة الأمنية مشتتة وخاضعة لحالة تعدد التحالفات الجيوسياسية والبحرية المتنافسة. ولا شك أن من سيحوز مفاتيح النفوذ في هذا الحوض الاستراتيجي اليوم هو من سيمسك بيده أحد أهم المقاليد الحاكمة لشكل وتوازنات النظام الدولي الجديد.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع.