إذا كان لكأس العالم بطل في المدرجات.. فهو الجمهور المصري

شهد هذا المونديال أبطالاً كثيرين في الملاعب مثل مصطفى شوبير وبونو وإمام عاشور وزيكو وصلاح وهيثم وميسي وكريستيانو رونالدو وإمبابي وهالاند وديمبلي وحكيمي وهاري كين، وغيرهم من نجوم كرة القدم في أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

لكن يبقى في ذاكرة العالم عظمة وتألق الجمهور المصري الذي كان البطل الأول في المدرجات والشوارع والميادين. إنه حقاً أعظم جمهور، لقب لم تمنحه الفيفا لكن الجمهور المصري نال احترام الجميع وأذهل الإعلام والصحافة العالمية، كما فعل منتخب مصر داخل المستطيل الأخضر. خلف كل خطوة للفراعنة كان يقف وطن بأكمله، وعندما سافر منتخب مصر، سافر شعب بأكمله معه. الملاعب كانت لأحد عشر لاعباً، أما البطولة فكانت لملايين المصريين.

هذا الجمهور الذي لم يعرف الهزيمة، العاشق الذي لا يترك منتخب بلاده، كانوا يهتفون وكأن القاهرة انتقلت إلى أمريكا. هذا الجمهور المصري هو اللاعب رقم واحد في كأس العالم، الحكاية التي لم تكتبها النتائج، كتبها الجمهور. صوت المصريين كان أعلى من صافرة النهاية في المدرجات والميادين والشوارع حيث صنعوا التاريخ.

الكابتن إبراهيم حسن لخص بطولة كاملة عندما قال إن الجمهور المصري يستحق لقب الأفضل عالمياً، فرحلة الفراعنة كتبها اللاعبون وزينها الجمهور. إنه جمهور لا يعرف إلا الوفاء، رحلة عشق لا تنتهي، وطبعاً وراء كل إنجاز مصري جمهور لا يتعب هو اللاعب رقم 12.

رسمت الصحافة والتغطيات الأجنبية صورة شديدة الإشادة بالجمهور المصري وركزت على ثلاثة مشاهد رئيسية: الاحتفالات في الشوارع، الحضور العاطفي خلف المنتخب، والاستقبال الجماهيري الكبير عند العودة.

رويترز: استقبال الأبطال
اختارت وكالة رويترز عنواناً لافتاً عند عودة المنتخب: «لقد جعلتمونا فخورين».. مصر تمنح منتخبها استقبال الأبطال. وصفت تجمع آلاف المشجعين في مطار العلمين الدولي واصطفاف الجماهير في شوارع مدينة العلمين الجديدة وهم يرفعون الأعلام واللافتات احتفالاً باللاعبين بعد أفضل مشاركة مصرية في تاريخ كأس العالم. هنا لم تتعامل رويترز مع المشهد باعتباره استقبالاً عادياً بل وصفته بوضوح بأنه استقبال للأبطال.

كما اهتمت رويترز بتوثيق مشاعر الجماهير المصرية خلال لقاء الأرجنتين فنشرت صوراً لمشجعين اجتمعوا لمتابعة المباراة ورصدت ملامح الحزن والانفعال بعد النهاية ضمن تقرير مصور عن جماهير المنتخبات التي ودعت البطولة.

أسوشيتد برس: الآلاف استقبلوا المنتخب رغم الخسارة
برزت وكالة أسوشيتد برس المفارقة الجميلة في المشهد المصري: المنتخب كان قد ودع البطولة ومع ذلك احتشد آلاف المشجعين في مطار العلمين لاستقباله بحرارة. تحدثت الوكالة عن حالة الفخر التي سيطرت على المصريين بعد وصول المنتخب لأول مرة إلى دور الـ16 ورصدت متابعة الجماهير للمباريات في الأماكن العامة وهي ترفع الأعلام الوطنية.

وفي تغطية أخرى لمباراة مصر والأرجنتين وصفت أسوشيتد برس كيف انفجرت المقاهي والتجمعات الجماهيرية في القاهرة فرحاً بأهداف مصر قبل أن يسودها الصمت والحزن مع التحول الدراماتيكي في النتيجة. هذا النوع من التغطية يعكس أن الجمهور المصري كان بالنسبة للإعلام الدولي جزءاً أساسياً من قصة المباراة وليس مجرد خلفية لها.

من سياتل إلى القاهرة وغزة
وفي تقرير مصور عن تأهل المنتخب إلى الأدوار الإقصائية لخصت أسوشيتد برس اتساع الاحتفال بعبارة لافتة مؤكدة أن الجماهير احتفلت: من سياتل إلى القاهرة وحتى داخل مخيمات غزة. وهذا الوصف يكشف أن فرحة المصريين لم تكن محصورة داخل حدود مصر أو ملعب بعينه بل امتدت عبر مدن وقارات ومجتمعات عربية مختلفة.

كما ربطت الوكالة بين الجماهير المصرية والمشهد الإنساني بعد الفوز على أستراليا عندما تعالت هتافات مؤيدة لفلسطين من المدرجات بالتزامن مع رفع حسام حسن العلم الفلسطيني داخل الملعب.

الجزيرة: حملة لا تُنسى
قناة الجزيرة الإنجليزية رصدت ردود فعل الجماهير بعد الخروج أمام الأرجنتين وزارت مركز شباب العبور حيث تجمع نحو 15 ألف مشجع لمشاهدة اللقاء. ركز التقرير على حالة الحزن بعد الخروج لكنه نقل أيضاً إشادة الجماهير بما وصفته القناة بأنها حملة مونديالية لا تُنسى وهو تعبير يوضح أن الجمهور ظل داعماً للمنتخب حتى بعد الهزيمة.

الصورة التي قدمها الإعلام العالمي
حتى إذا لم تقل الصحف العالمية نصاً إن الجمهور المصري هو «الأفضل في العالم»، فإن الصورة التي قدمتها عنه كانت واضحة: جمهور احتفل من أمريكا إلى القاهرة وملأ الشوارع والساحات وعاش المباريات بأقصى درجات الانفعال وظل خلف المنتخب بعد الخروج ثم استقبله في مطار العلمين استقبال الأبطال. وسيسجل حضور الجماهير المصرية الوفية كقصة خالدة اهتمت بها وسائل الإعلام العالمية.

إذن هي ليست عبارة قالها إبراهيم حسن بل شهادة خرجت من قلب مونديال 2026. الحقيقة أن هناك بطولات يكتبها اللاعبون بأقدامهم وهناك بطولات يكتبها الجمهور بصوته وحضوره. وفي كأس العالم 2026 لم يكن منتخب مصر وحده هو من ارتدى قميص الوطن بل بدا وكأن ملايين المصريين ارتدوه معه حتى أصبحت رحلة الفراعنة في الولايات المتحدة رحلة شعب كامل وليس مجرد رحلة منتخب لكرة القدم.

لهذا لم تكن كلمات الكابتن إبراهيم حسن مجرد تصريح إعلامي عندما قال: “الجمهور المصري يستحق لقب الأفضل عالمياً” بل كانت شهادة خرجت من رجل عاش تفاصيل البطولة لحظة بلحظة ورأى كيف تحول المشجع المصري إلى اللاعب رقم واحد خارج المستطيل الأخضر.

منذ أن وطأت أقدام بعثة المنتخب الأراضي الأمريكية كان واضحاً أن الفريق لم يسافر وحده. ففي كل مدينة انتقل إليها المنتخب كانت الأعلام المصرية تسبقه وفي كل فندق أقام فيه كانت الهتافات تصل قبل اللاعبين وفي كل تدريب مفتوح كان اللون الأحمر والأبيض والأسود يحتل المشهد بينما تعلو الأغاني الوطنية التي يعرفها كل مصري وكأن المسافات بين القاهرة وأمريكا قد اختفت تماماً.

لم يكن القادمون لمساندة المنتخب مجرد أفراد يحملون تذاكر مباريات بل كانوا مصريين قطعوا آلاف الكيلومترات من ولايات أمريكية مختلفة وآخرون جاءوا من كندا ودول عربية وأوروبية فقط ليقولوا للاعبين: أنتم لستم وحدكم.

وحين كانت صافرة الحكم تعلن بداية المباراة كان المشهد داخل المدرجات كافياً ليدرك أي متابع أن المنتخب المصري لا يلعب بعيداً عن أرضه. الأعلام المصرية كانت في كل زاوية والهتافات لا تتوقف والتشجيع لا يعرف النتيجة حيث يحتفل الجمهور بالهجمة كما يحتفل بالهدف ويقف خلف لاعبيه في أصعب اللحظات حتى تحولت المدرجات إلى امتداد طبيعي لمدرجات استاد القاهرة.

ولم يكن غريباً أن يؤكد أفراد الجهاز الفني أكثر من مرة أن اللاعبين كانوا يشعرون بطاقة مختلفة وأن الدعم الجماهيري لعب دوراً مهماً في رفع الروح المعنوية طوال مشوار البطولة. لكن الحكاية لم تكن داخل الملاعب فقط؛ فخارج الأسوار كانت هناك بطولة أخرى أمام فنادق إقامة المنتخب حيث كان المشجعون ينتظرون ساعات طويلة لأجل لحظة يلوح فيها لاعب بيده أو يلتقط صورة مع طفل أو يوقع قميصاً يحمل ألوان مصر.
وفي الشوارع المحيطة بالملاعب تحولت التجمعات المصرية إلى كرنفالات وطنية؛ الأعلام ترفرف والأغاني تتردد والسيارات تسير وهي تطلق أبواقها احتفالاً بالفراعنة في مشهد لفت انتباه الجماهير الأخرى ووسائل الإعلام التي رصدت الحضور المصري اللافت في مختلف المدن المستضيفة.
لقد أصبح المنتخب يحمل وطناً كاملاً معه أينما ذهب.