أعاد الجدل الذي أثارته تصريحات الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي عن سيناء خلال ظهوره على قناة “القاهرة والناس” تسليط الضوء على أحد أبرز الصحفيين الإسرائيليين المثيرين للجدل داخل دولة الاحتلال. فعلى مدار عقود، ارتبط اسم ليفي بانتقاد سياسات الحكومات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، وتوثيق الانتهاكات في الأراضي المحتلة، والدعوة إلى إنهاء الحرب على غزة ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب.

وُلد جدعون تسفي ليفي عام 1953 في تل أبيب لعائلة يهودية من أصول تشيكية، وبدأ مسيرته المهنية بعد أداء الخدمة العسكرية حيث عمل مراسلًا لإذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال سبعينيات القرن الماضي، قبل أن ينتقل إلى صحيفة “هآرتس” عام 1982، التي أصبح من أبرز كتابها وعضوًا في هيئة تحريرها، وفقًا للمكتبة الوطنية الإسرائيلية.

توثيق الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية

على مدار أكثر من ثلاثة عقود، كرّس ليفي جانبًا كبيرًا من عمله الصحفي لتوثيق ما وصفه بانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، مما جعله واحدًا من أكثر الصحفيين إثارة للجدل داخل إسرائيل وخارجها.

بدأ ليفي مسيرته المهنية بعد أداء الخدمة العسكرية حيث عمل مراسلًا ومحررًا في إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي عام 1974، قبل أن يُعيَّن عام 1978 مساعدًا ومتحدثًا باسم شمعون بيريز، زعيم حزب العمل الإسرائيلي آنذاك. ويقول عن تلك المرحلة إنه كان “مغسول الدماغ” ومقتنعًا بأن إسرائيل على صواب.

وفي عام 1982 انضم إلى صحيفة “هآرتس” وأصبح نائبًا لرئيس التحرير عام 1983. ثم أطلق عام 1988 عموده الأسبوعي “منطقة الشفق” الذي وثق من خلاله الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة حتى مُنع من دخول القطاع في نوفمبر 2006.

زيارة غيرت نظرته تجاه فلسطين

يشير ليفي إلى أن نقطة التحول في حياته جاءت بعد زيارة لبستان امرأة فلسطينية اقتُلعت أشجار الزيتون الخاصة بها في الضفة الغربية. وقد دفعته هذه الزيارة، بحسب روايته، إلى إدراك حجم المعاناة التي يتعرض لها الفلسطينيون ليصبح لاحقًا واحدًا من القلائل داخل إسرائيل الذين ركزوا على نقل الرواية الفلسطينية.

منذ ذلك الحين، اعتاد السفر أسبوعيًا إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة لتغطية عمليات القتل والتهجير وهدم المنازل وقطع الأشجار ومصادرة الأراضي. كما أجرى مقابلات مع عائلات فلسطينية فقدت أبناءها ونقل قصص مروعة عن مقتل الأطفال وإحراق المزارع والسيارات والمنازل.

ورغم إصابته بمرض السرطان عام 2018، أكد تمسكه بمواصلة ما وصفه بـ”النضال الإعلامي”. كما رفض عام 2022 عرضًا للانضمام إلى القائمة العربية المشتركة مؤكدًا أنه سيظل صحفيًا.

مع إطلاق صحيفة “هآرتس” نسختها باللغة الإنجليزية، اتسعت شهرته عالميًا وأصبح من أكثر الصحفيين الإسرائيليين متابعة خارج إسرائيل. كما يواصل كتابة الافتتاحيات السياسية في الصحيفة والمشاركة في البرامج التلفزيونية والندوات الأكاديمية.

انتقادات مستمرة للحرب على غزة

ينتمي ليفي إلى تيار اليسار اليهودي لكنه أعلن ابتعاده عن اليسار الصهيوني معتبرًا أن “اليسار هو المؤسس الحقيقي للاحتلال”. كما يرى أن الجمع بين يهودية الدولة والديمقراطية يمثل تناقضًا.

يعبر عن معارضته لإقامة دولة يهودية على أساس ديني ويصف إسرائيل بأنها “دولة فصل عنصري”. ويرى أن حل الدولتين أصبح غير قابل للتطبيق ويؤيد إقامة دولة ديمقراطية واحدة تضم اليهود والفلسطينيين تقوم على العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق.

يدعو أيضًا إلى تعويض الفلسطينيين عن أحداث عام 1948 ويعارض الصهيونية التي تؤيد الاحتلال وفق رؤيته.

انتقادات حادة للاحتلال

على مدى أكثر من ثلاثة عقود واصل ليفي انتقاد سياسات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة. هاجم الاستيطان والانتهاكات بحق الفلسطينيين وانتقد الإعلام الإسرائيلي معتبرًا أنه يساهم في شيطنة الفلسطينيين ولا ينقل جرائم الاحتلال.

ورغم إدانته إطلاق الصواريخ من غزة، فإنه يحمل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الأكبر عن تدهور الأوضاع نتيجة الحصار والاحتلال والعنف.

بعد اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023 عارض ليفي العمليات العسكرية الإسرائيلية وطالب بإنهاء الحرب ووقف ما وصفه بالمجازر والإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين. كما دعا إلى محاكمة قادة إسرائيل بتهم ارتكاب جرائم حرب.

أثارت مواقف ليفي انتقادات واسعة داخل إسرائيل حيث تعرض لاتهامات بالخيانة ودعم الإرهاب والترويج لحركة حماس حتى بات يوصف لدى كثير من الإسرائيليين بـ”الرجل المكروه” بينما يراه آخرون “صحفيًا بطلًا” بسبب انتقاداته المستمرة للحكومات الإسرائيلية.