في وقت تحتاج فيه الدولة المصرية إلى تعظيم مواردها وتوسيع قدرتها الإنتاجية، وتقليل انكشافها أمام اضطرابات الأسواق الدولية، يظهر مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة كخطوة تشريعية تعكس انتقالًا مهمًا في فلسفة إدارة التنمية. هذا الانتقال يتجه من منطق المشروعات المتفرقة إلى منطق المؤسسة القادرة على التخطيط والتنفيذ والتشغيل والاستثمار، ومن إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى إدارة القضايا وبناء القدرة الوطنية قبل حدوثها.
لذا، يجب أن يُقرأ هذا المشروع في سياقه الوطني الأوسع، وليس بشكل ضيق باعتباره مجرد إعادة تنظيم إداري لجهاز قائم. يجب أن نعتبره جزءًا من سياق الأمن الغذائي، وتعظيم أصول الدولة، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاص، وربط الزراعة بالتصنيع والتخزين والنقل والخدمات اللوجستية. الهدف هو تحويل الأرض والمياه والبنية الأساسية إلى قيمة إنتاجية حقيقية يشعر بها المواطن في غذائه وعمله واستقرار معيشته.
وافقت اللجنة البرلمانية المشتركة نهائيًا على مشروع قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة يوم 9 يوليو 2026، بعد مناقشات موسعة استمرت يومين وشارك فيها هيئات مكاتب عدد من اللجان النوعية وممثلو الوزارات والجهات المعنية. وهذا يعكس أهمية الموضوع وحساسيته.
تتمثل القيمة الكبرى لهذا المشروع في أنه ينقل جهاز مستقبل مصر من كيان تنفيذي نشأ لخدمة مشروعات زراعية وتنموية محددة إلى إطار قانوني أوسع يمكنه من إدارة وتنفيذ مشروعات كبرى بكفاءة أعلى وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية والعمل ضمن بيئة أكثر انتظامًا ووضوحًا.
قد نصت التغطيات المنشورة لمشروع القانون على أن الجهاز المنشأ بقرار رئيس الجمهورية رقم 591 لسنة 2022 سيعاد تنظيمه ليمنحه استقلالاً إداريًا وماليًا في إطار مدني جديد، مما يعزز مساهمته في تنفيذ المشروعات القومية والتنموية ودعم الاقتصاد الوطني.
من المهم هنا أن نضع النقاش في حجمه الحقيقي. فمستقبل مصر لم يعد مجرد مشروع استصلاح أو زراعة بل أصبح يرتبط بسلاسل إنتاج كاملة تبدأ من الأرض والمياه والبذور والري وتمتد إلى الصوامع والثلاجات والتجفيف والتعبئة والتصنيع والتسويق والتصدير.
في المرحلة الأولى من مدينة مستقبل مصر الصناعية، تشير البيانات الرسمية إلى إنشاء صوامع بطاقة تخزينية إجمالية تبلغ 500 ألف طن، بالإضافة إلى مصنع أعلاف بطاقة إنتاجية تصل إلى 150 ألف طن سنويًا وإيرادات متوقعة تصل إلى 2.5 مليار جنيه سنويًا. كما تشمل المشروعات الأخرى تبريد وتجميد وفرز وتعبئة ومجففات لتعزيز القيمة المضافة للمنتج الزراعي المصري.
لست ضد الانتقاد فهو حق مشروع، ولكن يجب أن يستند النقد الوطني الجاد والبناء إلى النص بعد تعديله وليس إلى التخوف منه قبل مراجعته. ومن هنا كانت بعض الانتقادات التي وجهت للمشروع مفيدة لأنها دفعت نحو مزيد من الضبط التشريعي، لكنها لم تعد صالحة للاستمرار بنفس الصيغة بعد التعديلات الأخيرة.
قيل إن الجهاز سيكون فوق الرقابة، فجاء الرد التشريعي واضحًا بتعزيز الرقابة البرلمانية على المسائل ذات الأثر العام وخاصة ما يتعلق بإنشاء مناطق التنمية المستدامة.
كما قيل إن المشروع قد يفتح بابًا لمزايا مالية أو ضريبية استثنائية، فجاءت المناقشات لتحذف النص المثير للجدل مما يغلق باب الالتباس ويؤكد أن الغاية ليست منح امتيازات مجانية بل بناء كيان قادر على تحقيق عائد اقتصادي وتنموي للدولة والمواطن.
أما فيما يتعلق بمزاحمة القطاع الخاص، فإن فلسفة القانون إذا أحسن تطبيقها تقوم على العكس تمامًا؛ فهي لا تؤسس لبديل عن القطاع الخاص بل لمنصة تنموية تهيئ الأرض والبنية الأساسية وسلاسل الإمداد ثم تفتح الباب أمام الشراكات والاستثمار والإنتاج. والدليل العملي هو أن المشروعات الكبرى ذات الصلة بمستقبل مصر شهدت مشاركة واسعة من الشركات والقطاع الخاص وأن الدولة باتت تنظر إلى التنمية بوصفها شراكة وطنية منظمة.
أما بالنسبة لاتساع الاختصاصات الذي قد يثير القلق، فإن طبيعة التنمية الحديثة لم تعد تقبل الفصل المصطنع بين الزراعة والصناعة والنقل والتجارة والتخزين والطاقة والمياه. فالقمح لا يصبح أمنًا غذائيًا بمجرد زراعته بل حين توجد منظومة ري مستدامة وحصاد منظم وصوامع آمنة ونقل سريع وتصنيع غذائي وسياسة تسعير وتوريد واحتياطي استراتيجي. ومن ثم فإن اتساع الاختصاصات ليس خطرًا بحد ذاته بل الخطر هو أن تبقى المشروعات القومية الكبرى موزعة بين جزر إدارية منفصلة لا يجمعها إطار قانوني واحد.
وفيما يتعلق بتبعية الجهاز لرئيس الجمهورية التي قد تعني مركزية مفرطة، فإن المشروعات العابرة للقطاعات التي تمس الغذاء والمياه والطاقة والأرض والاستثمار تحتاج إلى مستوى عالٍ من التنسيق بين أجهزة الدولة. وليس المطلوب هنا مركزية بلا ضوابط بل تنسيق أعلى مع رقابة أوضح وسرعة في القرار مع شفافية في النتائج ومرونة في التنفيذ مع التزام بالقانون. وهذه هي المعادلة التي يجب أن نتمسك بها في كل تشريع تنموي كبير.
أما التخوف من ملف البيانات فيجب التعامل معه بعقلية الدولة الحديثة؛ فلا تنمية بلا بيانات ولا تخطيط بلا معلومات ولكن في الوقت نفسه لا يجوز أن تكون البيانات بابا مفتوحا بلا ضوابط. ولهذا يجب أن يبقى أي تعامل مع البيانات مقيداً بقوانين حماية البيانات الشخصية ومتطلبات الأمن القومي وحدود الغرض التنموي المشروع.
وفي هذا السياق تتجلى أهمية هذا القانون للوطن بأنه يمنح الدولة أداة أكثر قدرة على تحويل أصولها إلى عوائد ومشروعاتها إلى إنتاج واستثماراتها إلى قيمة مضافة. وهذه هي فلسفة الجمهورية الجديدة: أن تكون التنمية ملموسة وأن يتحول الإنفاق إلى عائد وأن تتحول الأصول إلى قوة اقتصادية.
أما أهمية المشروع للمواطن فهي أوضح من أن تختزل في المصطلحات القانونية حيث يريد الشعب غذاء متاحا وسعرًا أكثر استقرارا وفرصة عمل حقيقية وخدمة أفضل وثقة في أن الدولة تفكر في المستقبل لا في اليوم وحده. ولذلك فإن كل فدان يستصلح بكفاءة وكل صومعة تنشأ وكل مصنع يعظم القيمة المضافة وكل شراكة تجذب استثماراً جاداً هي خطوات نحو حياة أكثر أمناً واستقراراً.
ومن الناحية الاقتصادية نحن أمام مشروع قانون يفتح الباب أمام تخفيض نسبي للواردات وزيادة القدرات التخزينية وتوسيع التصنيع الزراعي وتوطين صناعات كانت الدولة تفقد جزءاً كبيراً من عائدها لصالح الاستيراد أو الفاقد أو ضعف التصنيع.
ومن الناحية السياسية نحن أمام رسالة مفادها أن الدولة لا تترك ملف الأمن الغذائي لتقلبات الخارج ولا تترك أصولها بلا إدارة ولا تترك المواطن في مواجهة موجات الأسعار دون بناء أدوات تدخل وإنتاج واحتياطي.
ومن الناحية التشريعية فإن المشروع يقدم نموذجاً مهماً: تشريع اقتصادي تنموي لا يكتفي بعبارات عامة بل ينظم كيانا قادرا على إدارة مشروعات ضخمة مع ضرورة استمرار البرلمان في أداء دوره الرقابي عند التطبيق.
لذلك أرى أن الموافقة على القانون ليست نهاية الطريق بل بداية مسؤولية أكبر: مسؤولية متابعة التنفيذ وقياس العائد ومراقبة الحوكمة والتأكد من أن الشراكات تتم بشفافية وأن الأصول تدار لصالح الدولة والمواطن.
خلاصة القول إن هذا المشروع هو محاولة لبناء ذراع تنموية وطنية قادرة على جعل الأرض إنتاجاً ومن التخزين أماناً ومن التصنيع قيمة مضافة ومن الاستثمار شراكة ومن التنمية خدمة مباشرة للمواطن. ومن هنا يتمثل جوهر المشروع في فكرة الدولة المنتجة التي تحمي غذاءها وتصون أصولها وتستثمر في مستقبل أبنائها.
ومصر التي تواجه تحديات كثيرة قادرة على بناء قدرة إنتاجية مستدامة لكنها لا تقبل تنمية بلا رقابة ولا مرونة بلا حوكمة ولا استثماراً بلا عدالة في العائد.
لذلك فإن الطريق الصحيح هو دعم المشروع بعد ضبطه ومتابعة تطبيقه بصرامة وشرح أهدافه للمواطنين بوضوح حتى يعرف الناس أن مستقبل مصر ليس مجرد اسم لجهاز بل عنوان لسياسة وطنية تهدف لنقل البلاد من اقتصاد رد الفعل إلى اقتصاد القدرة ومن إدارة الاحتياج إلى صناعة الوفرة ومن انتظار الأزمة إلى بناء المستقبل.

