بعد خروج المنتخب السعودي من كأس العالم 2026، دار جدل حول أسباب التراجع، وتعددت الآراء بين من يلقي المسؤولية على المدرب واللاعبين والإدارة، ولكن الحقيقة الأعمق تكمن في أن النجاح الرياضي لا يتم صناعته بالقرارات الآنية ولا بردود الأفعال العشوائية، وإنما يتطلب تغيير العقلية لفلسفة الفكر الرياضي باعتباره قوة وطنية ناعمة نراهن عليها مستقبلاً.

يحتاج اللاعب السعودي إلى بناء شامل يبدأ بتأسيس “فلسفة المسؤولية” منذ السنوات الأولى من عمره، والتي بدورها تعزز الثقافة الرياضية للاعب، وليس المقصود بالثقافة هنا المعرفة النظرية فقط، بل تبني منظومة تربوية أخلاقية ونفسية واجتماعية ومهارية تعمل على تجهيزه للحياة الاحترافية من عمر 5-8 سنوات، والتقاط موهبته عن طريق كشافين محترفين وتأهيله لبرامج تجارب الأداء التتابعية.

من المفترض أن يتربى اللاعب على ثقافة التغذية الفعالة والنوم والاستيقاظ المبكر بانتظام لتأسيس البناء الجسماني السليم، بالإضافة إلى أهمية وجود المستشار النفسي الرياضي ودوره المكمل لتعزيز السلوك اللفظي والفعلي والإيمائي، باحترام الذات أولاً ثم الآخرين، والتوعية بأن الانضباط في المواعيد أول علامات التطور القيمي للمهارة والإتقان.

تعمل هذه الثقافة على تغيير فكر اللاعب، فينشأ على فلسفة مؤسسية ومنظومة أخلاقية تجعله يدرك أن الحقوق يقابلها واجبات وأن المكافآت تتطلب التضحيات وأن الثواب والعقاب جزآن من البيئة الاحترافية التي تبعد اللاعب عن فكر الترف الزائد الذي يولد اللامبالاة. كما سيتعلم أن انتماءه للنادي الذي يحمل شعاره ومن ثم لوطنه الذي يمثل علمه يفرض عليه مسؤولية مهنية ومجتمعية تستوجب أقصى درجات الالتزام والامتثال.

لا يمكن بناء هذه الثقافة بمعزل عن الاستفادة من التجارب الرياضية والمحاكاة العالمية. فالدول التي اعتلت منصات التتويج لم تصل للقمة بالمصادفة بل تبنت برامج طويلة المدى تعتمد على التخطيط والتطوير المستمر والرقابة والمتابعة
وتبرز أهمية الاقتداء بالنماذج الناجحة بالمحاكاة الذكية من عدة منظومات رياضية؛ مثل البرازيل وإنجلترا وألمانيا والأرجنتين واليابان وفرنسا، ودراسة فلسفاتهم الإدارية والفنية ثم تكييفها بما يتناسب مع بيئتنا الرياضية السعودية.

من الضروري التنويه عن تجهيز المدرب الوطني ومنحه مساحة أكبر للتأهل والتأهيل والعمل داخل الأندية والمنتخبات. فالمدرب الوطني متى ما تم إعداده علمياً وعملياً امتلك فهماً أعمق لفلسفة الفكر الرياضي لبناء جسور تواصلية أكثر فاعلية مع اللاعبين بما ينعكس إيجاباً على الانسجام داخل الفريق وعلى جودة الأداء في المنتخب.

يتطلب تغيير العقلية وبناء الثقافة الرياضية وتغيير الفكر الفلسفي جهداً مؤسسياً مرحلياً متنوعاً قصير ومتوسط وطويل المدى يعتمد على توليفة متناغمة لبرنامج وطني واعد تشترك فيه الأسرة والمدرسة والنادي لتتحول الرياضة إلى ثقافة قبل أن تكون منافسة. عندها نفخر بأننا وضعنا حجر الأساس الحقيقي لصناعة جيل قادر على المنافسة عالمياً وتحقيق إنجازات بصورة مستدامة ومنظومة متكاملة تؤمن بأن البطولات تبدأ من بناء الإنسان الرياضي حتى ننتقل من جلد الذات إلى العمل بثبات.