بعد مرور 22 يومًا على توقيع مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، التي تم التوقيع عليها إلكترونيًا من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في 17 يونيو الماضي، هدد ترامب بشن هجوم جديد وقوي على طهران.

وأكد ترامب خلال مؤتمر صحفي في ختام قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في أنقرة اليوم الأربعاء، أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي، مشيرًا إلى إمكانية استهداف محطات الكهرباء والمياه، فضلًا عن احتمال الاستيلاء على جزيرة خارك الإيرانية “إذا لزم الأمر”.

تصاعدت حدة التهديدات العسكرية المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة، وسط تحذيرات أمريكية من تنفيذ ضربات جديدة، مقابل تهديدات إيرانية بإشعال منطقة الشرق الأوسط.

جاء ذلك بعد ليلة شنت خلالها القيادة المركزية الأمريكية ضربات على إيران ردًا على هجوم للحرس الثوري الإيراني استهدف ثلاث ناقلات نفط في مضيق هرمز، مما دفع إيران إلى تنفيذ هجوم على 80 هدفًا في الكويت والبحرين، وفقًا لبياناتها الرسمية.

ولم تقتصر التهديدات على الرئيس الأمريكي فقط، إذ أكد وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث أن الولايات المتحدة ستوجه ضربات جديدة إلى إيران الليلة إذا طلب منه ترامب ذلك.

في المقابل، قال مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي إن إيران سبق أن حذرت من أن “المنطقة ليست ساحة للمقامرة السياسية للدول الصغيرة”، مؤكدًا أن بلاده أثبتت مرارًا أن أي مغامرة ستُواجَه برد فوري.

أثار التصعيد بين إيران وأمريكا تساؤلات حول إمكانية عودة الحرب المفتوحة بين البلدين في ظل استمرار التهديدات المتبادلة والتوترات التي أعقبت المواجهات الأخيرة.

في هذا السياق، قال إحسان الخطيب، عضو الحزب الجمهوري الأمريكي، إنه من غير المرجح أن تعود الحرب المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة. وأوضح الخطيب في حديثه مع “مصراوي” أنه رغم تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا أنه يعتقد أن “الأمر قد انتهى وأنه سوف يسمح للمفاوضين بالاستمرار إذا أرادوا ذلك”.

على الجانب الآخر، قالت الباحثة والمتخصصة في شؤون الأمن القومي الأمريكي إيرينا تسوكرمان إن خطر تجدد الحرب المفتوحة بين إيران والولايات المتحدة لا يزال قائمًا. وأوضحت أن عودتها من المحتمل أن تبدأ أولاً في شكل موجات من الضربات الأمريكية والرد الإيراني على القواعد والشحنات الخليجية والضغط حول مضيق هرمز وليس بشكل حرب معلنة رسميًا.

وأضافت تسوكرمان أن تحذير ترامب بتوجيه ضربة قوية لإيران لم يأتِ من فراغ. حيث أشارت إلى أنه جاء بعد فترة تآكل فيها ما يسمى بوقف إطلاق النار عمليًا، حيث اختبرت إيران الخطوط الحمراء الأمريكية واستأنفت واشنطن الضربات القسرية. وتعامل الطرفان مع الإطار المؤقت باعتباره هدنة قبل الجولة التالية وليس تسوية نهائية.

وأكدت تسوكرمان أن الحرب لم تنتهِ بشكل حقيقي لأن وقف إطلاق النار لم يعالج أيًّا من القضايا الأساسية التي أدت إلى المواجهة من الأساس. موضحة أن البرنامج النووي الإيراني ظل محل نزاع كما بقيت قدرات إيران الصاروخية والطائرات بدون طيار بما يكفي لتهديد القوات الأمريكية والبنية التحتية الخليجية وإسرائيل وحركة الملاحة البحرية.

وأشارت إلى أن شبكات إيران الإقليمية لا تزال تمتلك القدرة على خلق ضغوط يمكن إنكارها أو شبه إنكارها عبر العراق واليمن ولبنان والخليج. في الوقت الذي لم تتخل فيه واشنطن عن خيار استخدام القوة ولم تقدم لطهران مخرجًا سياسيًا دائمًا أو استراتيجية واضحة لتغيير حساباتها بعيدًا عن التهديد بالعقوبات الإضافية.

لفتت تسوكرمان إلى أن وقف إطلاق النار كان بمثابة “وقفة تكتيكية” أكثر من كونه نهاية حقيقية للأعمال العدائية. موضحةً أن وقف إطلاق النار الفعلي يحتاج إلى آليات تنفيذ وتعريفات مشتركة للانتهاكات ومسار سياسي يمنح الطرفين حافزًا لاستيعاب الاستفزازات بدلًا من الرد عليها بالقوة.

وأضافت أن هذا الترتيب أبقى على الأسلحة والأهداف والمظالم والحوافز التي تجعل التصعيد المتجدد أمرًا محتملًا. مشيرةً إلى إمكانية استمرار إيران في استخدام الضغوط البحرية والتهديدات الصاروخية والنشاط عبر الوكلاء والهجمات المدروسة لإظهار أنها لم تُخضع. بينما يمكن للولايات المتحدة مواصلة استهداف الأصول الإيرانية لإثبات أن وقف إطلاق النار لا يحمي طهران من العواقب.

أوضحت تسوكرمان أيضًا أنه بالنسبة للولايات المتحدة فإن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع تنفيذ هذه الاستراتيجية إلى أجل غير مسمى. فرغم قدرة واشنطن على استهداف القوارب الإيرانية وقاذفات الصواريخ والطائرات بدون طيار والدفاعات الجوية والمستودعات والموانئ والأهداف المرتبطة بالطاقة، فإنها لا تستطيع افتراض أن كل ضربة يمكن تحملها دون عواقب أوسع.

كما أشارت إلى أنه يجب أخذ وقت طويل لإعادة إنتاج الأسلحة الحديثة مثل صواريخ الاعتراض للدفاع الجوي والذخائر البحرية والأسلحة الدقيقة وأنظمة الضربات بعيدة المدى. حيث لا تستطيع القاعدة الصناعية الأمريكية تجديدها فورًا بالوتيرة التي تتطلبها حملة طويلة في الشرق الأوسط.

لفتت تسوكرمان إلى وجود قيود سياسية داخلية تمثل عاملًا مهمًا أيضًا. موضحةً كيف أصبح الكونجرس أكثر قلقًا بشأن استمرار العمليات العسكرية ضد إيران خاصة مع غياب توضيح بشأن الهدف النهائي للعملية ومدة استمرارها والأساس القانوني لها والنتيجة التي يمكن اعتبارها نجاحا.

أكدت تسوكرمان غياب هدف نهائي واضح يمثل نقطة الضعف المركزية في الاستراتيجية الأمريكية. مشددةً على أنه يمكن للضربات معاقبة إيران وتأخير أجزاء من برنامجها العسكري وفرض تكاليف تشغيلية لكنها لا تستطيع وحدها إحداث تغيير سياسي داخل إيران أو ضمان تخلي طهران عن النفوذ النووي والإقليمي.

كل ضربة تمثل رسالة أكثر من كونها استراتيجية متكاملة ما لم توجد خطة لتغيير الديناميكيات الداخلية والإقليمية التي تدعم السلوك الإيراني.

كما أكدت تسوكرمان أن الخطر الأكبر أمام واشنطن هو استمرار حالة عدم الحسم. مشيرةً إلى أنه إذا صعد ترامب بشكل كبير فإن إيران قادرة على الرد بالصواريخ والطائرات بدون طيار والهجمات في الخليج والعمليات عبر الوكلاء وضغط حركة الشحن. بينما إذا قيدت الولايات المتحدة ردها فقد ترى طهران أن التهديدات الأمريكية يمكن احتواؤها.

أضافت أنه العودة إلى المفاوضات بعد الضربات قد تُفسر إيرانيّاً باعتبارها شكل آخر من أشكال الضغط بينما رفض الدبلوماسية قد يحرم الولايات المتحدة من الأداة الوحيدة القادرة على تحويل الضغوط العسكرية إلى نتيجة سياسية.

<pأكدت تسوكرمان أخيرًا بأن الصراع لم يغادر ساحة المعركة بشكل كامل وأن وقف إطلاق النار خفّض وتيرة القتال لكنه لم يخلق سلاماً أو ردعاً أو توازنًا إقليميّاً جديداً. مشيرةً إلى إمكانية عودة الحرب المفتوحة لأن وقف إطلاق النار ترك الطرفين مسلحين وغاضبين وغير مقتنعين, مما يطرح السؤال الأساسي بشأن هدف الولايات المتحدة: هل تسعى لردع أو إضعاف أو تفاوض مع أو احتواء إيران؟ أم تغيير سلوك النظام بالكامل؟