تُعد مواجهة تعاطي المواد المخدرة داخل الجهاز الإداري للدولة من القضايا التي حظيت باهتمام تشريعي كبير في الآونة الأخيرة، نظرًا لتأثيرها المباشر على الأداء الوظيفي وانتظام العمل في المؤسسات الحكومية، بالإضافة إلى سلامة الخدمات المقدمة للمواطنين. فالوظيفة العامة لا تقتصر على أداء مهام معينة، بل تتطلب مسؤولية وطنية تفرض الالتزام والانضباط والقدرة على تحمل الأعباء الملقاة على عاتق العاملين.

حرصت الدولة المصرية على إرساء منظومة قانونية صارمة تهدف إلى ضمان خلو الجهاز الإداري من تعاطي المخدرات، حيث تُعتبر حماية المرافق العامة والحفاظ على كفاءة العاملين بها أولوية أساسية لتحقيق الصالح العام.

التعامل مع حالات الإدمان.

فرضت التطورات الطبية والقانونية ضرورة إعادة النظر في كيفية التعامل مع حالات الإدمان، والتمييز بين المتعاطي الذي يتعمد مخالفة القانون وبين الشخص الذي يعاني من مرض الإدمان ويحتاج إلى تدخل علاجي وتأهيلي. وقد أدى ذلك إلى فتح باب النقاش حول أهمية تحقيق التوازن بين الردع القانوني والحفاظ على البعد الإنساني.

ومع تنامي الاتجاهات الحديثة التي تنظر إلى الإدمان باعتباره مرضًا له أبعاد صحية ونفسية واجتماعية، برزت الحاجة إلى تطوير التشريعات بما يضمن مواجهة الظاهرة بحزم، مع منح من يثبت إدمانه فرصة للعلاج وفق ضوابط محددة قبل اتخاذ الإجراءات الإدارية النهائية بحقه.

جاء مشروع القانون المقدم لتعديل بعض أحكام القانون رقم 73 لسنة 2021 ليطرح رؤية تشريعية تقوم على الجمع بين الحفاظ على الانضباط داخل الجهاز الإداري ومراعاة الحالات التي تحتاج إلى العلاج، عبر وضع إطار قانوني يضمن التعافي دون المساس بكفاءة مؤسسات الدولة أو سلامة المرافق العامة.

مواجهة ظاهرة التعاطي

أكد وحيد سرور، الخبير القانوني، أن الدولة المصرية حققت خطوات مهمة في مواجهة ظاهرة تعاطي المواد المخدرة داخل الجهاز الإداري، من خلال تطبيق تشريعات تهدف إلى حماية المرافق العامة وضمان كفاءة العاملين والحفاظ على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

وأوضح أن قانون شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها رسخ مبدأ الانضباط الوظيفي، إلا أن التطورات التشريعية تستوجب مراجعة القوانين بشكل مستمر لتحقيق التوازن بين حماية المصلحة العامة ومراعاة الظروف الإنسانية، خاصةً في الحالات التي يثبت فيها أن التعاطي مرتبط بحالة إدمان تحتاج إلى علاج متخصص.

وأضاف أن الفكر القانوني الحديث لم يعد يتعامل مع الإدمان كمخالفة تستوجب العقوبة فقط، بل أصبح ينظر إليه باعتباره مرضًا يحتاج إلى تدخل طبي ونفسي واجتماعي، مما يستدعي وضع حلول تشريعية تتيح العلاج وإعادة التأهيل مع فرض ضوابط تمنع إساءة استخدام هذه الفرصة أو التأثير على سير العمل داخل مؤسسات الدولة.

توازن بين حق الدولة وحق العامل

وأشار سرور إلى أن مشروع القانون المقدم من النائب أحمد بلال البرلسي لتعديل بعض أحكام القانون رقم 73 لسنة 2021 يعكس فلسفة قانونية متوازنة، حيث يجمع بين حق الدولة في الحفاظ على جهاز إداري قوي ومنضبط وخالٍ من تعاطي المخدرات وحق العامل الذي يثبت أن حالته ناتجة عن الإدمان في الحصول على فرصة للعلاج قبل إنهاء خدمته.

وأكد أن هذا التوازن يحقق العدالة القانونية؛ إذ لا يمكن مساواة العامل الذي يرفض العلاج ويصر على الاستمرار في التعاطي بالعامل الذي يعترف بمشكلته ويلتزم ببرنامج علاجي بهدف التعافي والعودة لممارسة عمله بصورة طبيعية.

الإدمان مرض يحتاج إلى العلاج والتأهيل

وشدد الخبير القانوني على أن الاعتراف بالإدمان كمرض يمثل تطورًا مهمًا في الفكر التشريعي. موضحًا أن العديد من النظم القانونية الحديثة باتت تفضل العلاج وإعادة التأهيل متى توفرت الضمانات التي تحمي المجتمع وتحافظ على كفاءة المؤسسات.

وأضاف أن منح العامل فرصة للعلاج لا يحقق فقط مصلحة الفرد بل يساهم أيضًا في الحفاظ على استقرار الأسرة ويمنح الدولة فرصة للاستفادة من العنصر البشري بعد تعافيه بدلاً من فقدانه نهائيًا بسبب المرض.

ضوابط قانونية لمنع إساءة استخدام فرصة العلاج

وأوضح سرور أن مشروع القانون وضع مجموعة من الضمانات التي تضمن عدم تحول فرصة العلاج إلى وسيلة للتهرب من المسؤولية. حيث نص على إحالة العامل إلى أحد المراكز المرخصة لعلاج الإدمان مع احتساب فترة العلاج كإجازة مرضية وفقًا للقواعد القانونية المنظمة.

وأكد أن هذه الضوابط تعكس حرص المشرع على مواجهة التعاطي بكل حزم وتنظيم مسار قانوني يحقق هدفين متوازيين؛ وهما العلاج والانضباط الوظيفي.

ولفت إلى أن المشروع أجاز إنهاء خدمة العامل في حال امتناعه عن استكمال البرنامج العلاجي أو انقطاعه عنه ثلاث مرات مما يضمن عدم استغلال الحق في العلاج كوسيلة لتعطيل تطبيق القانون أو الإضرار بمصلحة العمل.

كما أشار إلى أن التشريع حافظ على الحقوق المالية للعامل حيث أقر حصوله على مستحقاته كاملة حال إنهاء خدمته بما يتفق مع مبادئ العدالة والضمانات القانونية.

فلسفة تشريعية تجمع بين الردع والإصلاح

أكد سرور أن مشروع القانون يعكس توجهًا تشريعيًا حديثًا يقوم على الموازنة بين البعد الإنساني ومتطلبات حماية المرافق العامة. موضحًا أن التشريع الناجح لا يقتصر دوره على العقاب بل يمتد للإصلاح والتأهيل عندما يكون ذلك ممكنًا.

وأضاف أن منح العامل المدمن فرصة للعلاج قبل إنهاء خدمته لا يعني التراجع عن مواجهة ظاهرة المخدرات بل يمثل أسلوبًا أكثر فاعلية لمعالجة المشكلة من جذورها مع الحفاظ على كفاءة الجهاز الإداري ودعم الاستقرار الأسري والاجتماعي وتحقيق معادلة عادلة تجمع بين حماية المجتمع وصون حقوق الأفراد.