انتقلت أهداف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، من “تدمير إيران” وتغيير النظام إلى إمكانية التفاوض وتقديم تنازلات متعددة، خلال فترة ستة أشهر من الحرب. فقد تحولت المطالب العسكرية والسياسية العالية السقف إلى مواقف أكثر مرونة، مع دخول واشنطن في مسار التفاوض على اتفاق مبدئي ينهي النزاع.

الأهداف التي شملت القضاء على برنامج الصواريخ الإيراني، ورفض أي تخصيب لليورانيوم، والمطالبة بـ”الاستسلام غير المشروط” وتغيير النظام، تبدو اليوم إما مخففة أو مؤجلة أو غائبة عن نص الاتفاق، وفق ما أفادت به شبكة “سي إن إن”. ومع اقتراب التسوية، تتجلى المفارقة بين ما وعد به ترامب في بداية الحرب وما أصبح مستعدًا لقبوله على طاولة المفاوضات.

مطالب ترامب بدت في البداية حاسمة

أشارت “سي إن إن” في تقريرها إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية التي بدأت ضد إيران في 28 فبراير كانت تتسم بأهداف معلنة بدت حاسمة حينها. من تدمير الترسانة الصاروخية الإيرانية وتسوية صناعتها بالأرض، إلى منع تخصيب اليورانيوم وتغيير النظام في طهران، بل والمطالبة بـ”الاستسلام غير المشروط”. لكن مع انتقال واشنطن من الميدان إلى طاولة المفاوضات، تبدلت لهجة ترامب بشكل ملحوظ، حيث تحولت بعض المطالب القصوى إلى تنازلات وتسويات بعيدة عن شعارات الأيام الأولى للحرب.

بعد التوصل إلى اتفاق مبدئي مع إيران، قال ترامب الأربعاء عقب قمة مجموعة السبع في فرنسا إنه من العدل السماح لطهران بامتلاك “بعض” الصواريخ. وأكد أن “الصواريخ ليست هي المشكلة” وأنها “لا تدمر الكوكب”، مضيفًا لاحقًا أن الأمر “مقبول نسبيًا”، مما يمثل تحولًا واضحًا عن تعهده السابق بالقضاء على برنامج الصواريخ الإيراني بالكامل.

الصواريخ.. من التدمير إلى التقليص

في 28 فبراير، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستدمر الصواريخ الإيرانية وتسوي صناعة الصواريخ بالأرض. لكن بحلول أواخر مارس، تراجع الهدف ليصبح مجرد “تقليص” البرنامج بصورة كبيرة.

أما مذكرة التفاهم المكونة من 14 نقطة فلا تتضمن أي إشارة إلى البرنامج الصاروخي الذي تعتبره إيران خطًا أحمر في المفاوضات. بينما أشار ترامب إلى إمكانية احتفاظها بجزء من ترسانتها.

الاستسلام غير المشروط يتراجع

في 6 مارس، كتب ترامب أنه لن يكون هناك اتفاق مع إيران إلا بـ”الاستسلام غير المشروط”. ولكن هذا الموقف تبدل سريعًا مع انتقال الإدارة الأمريكية نحو التفاوض.

الآن تتضمن المذكرة المبدئية تنازلات واسعة لطهران دفعت منتقدين، بما في ذلك شخصيات من اليمين الأمريكي، للاعتقاد بأن الاتفاق أقرب إلى استسلام أمريكي منه إلى استسلام إيراني.

تغيير النظام.. هدف اختفى

في بداية الحرب، دعا ترامب الإيرانيين للاستيلاء على حكومتهم معتبرًا أنها “لحظة العمل”. لكن هذا الهدف تراجع بعدما لم يستجب الإيرانيون لتوجيهاته.

وحاول ترامب في بعض الفترات اعتبار مقتل عدد من القادة الإيرانيين شكلًا من أشكال تغيير النظام. إلا أن المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي هو نجل المرشد السابق. وفي أحدث تصريحاته قال ترامب بوضوح: “لم أفعل هذا من أجل تغيير النظام”.

النووي.. الهدف الوحيد الأكثر ثباتًا

أكد ترامب منذ بداية الحرب أن إيران لن تحصل على سلاح نووي وهو بند لا يزال حاضرًا في مذكرة التفاهم التي تنص على تأكيد طهران مجددًا أنها لن تحصل على أسلحة نووية أو تطورها.

لكن الاتفاق لا يحسم بصورة نهائية طبيعة الشروط التي ستضمن إزالة المخاوف الأمريكية بشأن البرنامج النووي خاصة أن إيران أكدت مرارًا أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي.

وفي ملف التخصيب كان ترامب قد قال بوضوح إنه لا يريد أي تخصيب لليورانيوم لكنه أشار لاحقًا إلى إمكانية السماح لإيران بالتخصيب لأغراض مدنية وبمستويات منخفضة بشرط ألا يستخدم لأغراض عسكرية.

اليورانيوم المخصب.. من المصادرة إلى التخفيف

سبق أن أعلن ترامب أنه يريد الاستيلاء على اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب. لكن مذكرة التفاهم لا تنص على مصادرته بل تتحدث عن معالجة المواد المخصبة المخزنة وفق آلية يتفق عليها الطرفان مع “تخفيف تركيز” اليورانيوم في الموقع وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وفي المقابل قال ترامب إن تدمير المخزون النووي الإيراني أقل أهمية بكثير من منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

البحرية والوكلاء.. إنجاز عسكري وملفات مؤجلة

أعلنت إدارة ترامب في الأيام الأولى للحرب استهداف الأسطول البحري الإيراني وبالفعل تعرضت البحرية الإيرانية لدمار كبير وفق التقارير لكنها احتفظت بقدرات غير تقليدية يمكن استخدامها للضغط على الملاحة في مضيق هرمز مثل الطائرات المسيرة والألغام والزوارق الهجومية السريعة.

كما تراجع الحديث الأمريكي عن منع إيران من تمويل وتسليح الجماعات الوكيلة مثل حزب الله وحماس ولا تتضمن مذكرة التفاهم إشارة مباشرة لهذا الملف بينما قال ترامب إن المفاوضات اللاحقة ستتناوله.

هرمز.. 60 يومًا بدلًا من “مجاني بشكل دائم”

كان ترامب قد طالب بإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا بصورة دائمة ومجانية ودون رسوم. لكن مذكرة التفاهم تكتفي بالتزام إيراني ببذل “قصارى جهدها” لضمان مرور السفن التجارية بأمان ودون رسوم لمدة 60 يومًا فقط.

وفي المقابل تؤكد طهران امتلاكها حقوق سيادية في المضيق حيث قال رئيس البرلمان الإيراني والمفاوض الرئيسي محمد باقر قاليباف إن إيران ستفرض رسومًا على الخدمات.

من أهداف الحرب إلى حسابات التسوية

تكشف مقارنة تصريحات ترامب الأولى بمواقف الإدارة الحالية عن تحول واسع في أهداف الحرب. فالمطالب التي بدأت بتدمير البرنامج الصاروخي ورفض أي تخصيب والاستسلام غير المشروط وتغيير النظام أصبحت أكثر مرونة مع اقتراب واشنطن وطهران نحو اتفاق.

بينما يبقى منع إيران من امتلاك سلاح نووي هو الهدف الأكثر وضوحًا تظهر بقية الملفات كجزء من تسويات مرحلية مما يطرح تساؤلات حول مدى ابتعاد الاتفاق المبدئي عن الأهداف التي أعلنتها إدارة ترامب عند بدء الحرب.