لماذا نشعر بالحنين القوي لمشاهدة أفلام الأبيض والأسود، حيث نرى الناس مؤدبين ومهذبين؟ لماذا نعود سريعًا إلى زمن “بونجور يا هانم” و”نهارك سعيد” و”يومك جميل، لو تفضلت”؟ لماذا نعشق مشاجرات ماري منيب مع ميمي شكيب، ومحمد فوزي مع مديحة يسري، وفريد الأطرش مع شادية، وغيرهم من نجوم الفن في الأربعينيات والخمسينيات وحتى الستينيات؟
كان الذوق والأناقة والكلمة الطيبة ومراعاة الألفاظ، بل ونبرة الحديث ودرجة الصوت، جزءًا من ثقافة مجتمع حريص على التهذيب. كان البيت بمثابة مدرسة للتعليم، والفن امتدادًا له، بينما كانت الشوارع تعكس حرص الناس على الحفاظ على صورتهم وسمعتهم.
لكن منذ السبعينيات وحتى الأيام الحالية، حدث تغيير كبير في هويتنا. إذ تبدلت الهوية المصرية بشكل ملحوظ بعد الانفتاح على ثقافات جديدة والتأثر بالوهابية والتعايش مع ثقافات شرق آسيوية، مما أدى إلى نمو هوية مغايرة تمامًا للأصل المصري.
ما كان عليه الأصل المصري هو التسامح وقبول الآخر والترحيب بالثقافة المنفتحة واللطف وحفظ الجيرة. كان المجتمع يمارس فضيلة الضبط الذاتي من خلال كلمات مثل “عيب يا أخي” أو “ما يصحش” أو “انكسف على دمك”.
أما اليوم، فقد أصبحت الفوضى تسود؛ فالردح أصبح سمة لبعض المذيعين والكتّاب الذين يقدمون أسوأ أنماط الأداء، مما جعل القبح معتادًا والتدني سمة اجتماعية. الأناقة لا تتعلق فقط بالملابس الغالية بل أيضًا بالنظافة والترتيب واللطف في الحديث.
ثم خرج علينا في 2011 شعب آخر لا نعرفه. شعب يحمل آثار الظلام، وجوه كارهة وقلوب حاقدة؛ حيث أصبح هناك تمييز ديني بين المؤمنين والكافرين.
رغم انتصار النور على الظلام، هل تغير المجتمع؟ هل استعاد الناس فضيلة اللطف والذوق وآداب الجيرة؟ الحكومات المتعاقبة لم تسهم في إعادة التوازن النفسي للمجتمع بل كانت جزءًا من قسوة التحول.
نريد استعادة هويتنا الحقيقية؛ نحن الذوق والتحضر واللطافة. كل ذلك يبدو كأنه قد ضاع مع الرياح التي جلبت التربح والتنطع وإعلام البلطجة. نريد العودة إلى فضيلة الجودة المعيشية وتدريب أولادنا على حسن الكلام.
الفن اليوم يقدم نماذج للعنف والقسوة التي تؤثر سلباً على وجدان الصغار. ومع الوقت سنجد أن كل ما وصفناه من سفالة ودناءة وعنف سيؤدي إلى تحطيم معايير الحياة القويمة. هذا هو ما يجري ولا يزال يجري في أعماق نفوسنا.

