أصدر المركز المصري للدراسات الاقتصادية، اليوم، تقريرًا يسلط الضوء على النظم الاستثمارية الرئيسية في مصر. وخلص التقرير إلى أن تقارب الحوافز بين الأنظمة المختلفة يجعل عوامل أخرى أكثر تأثيرًا في قرار المستثمر، مثل طبيعة النشاط وموقع المشروع وتوافر الأراضي المرفقة والعمالة والنقل والموانئ والخدمات اللوجستية وسهولة الإجراءات واستقرار السياسات.

تتضمن خريطة الاستثمار المصرية عدة نظم رئيسية، أبرزها الاستثمار الداخلي والمناطق الحرة العامة والخاصة والمناطق الاستثمارية والتكنولوجية، بالإضافة إلى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث يتميز كل منها بطبيعة مختلفة حسب النشاط المستهدف.

4 نظم.. وحوافز متقاربة

وفق تحليل المركز، تتمتع النظم الاستثمارية المختلفة بحزمة واسعة من الحوافز الضريبية وغير الضريبية، إلا أن الفروق بينها لا تبدو دائمًا كافية لحسم قرار المستثمر. في الاستثمار الداخلي، تشمل الحوافز ضريبة جمركية موحدة بنسبة 2% على الآلات والمعدات اللازمة للإنشاء، بالإضافة إلى خصم استثماري يصل إلى 50% من التكاليف للقطاع “أ” و30% للقطاع “ب”، فضلًا عن حافز نقدي للأنشطة الصناعية يتراوح بين 35% و55% من قيمة الضريبة المسددة.

أما المناطق الحرة فتتمتع بنظام جمركي وضريبي خاص، حيث لا تخضع الصادرات والواردات للضريبة الجمركية وضريبة القيمة المضافة وغيرها من الضرائب والرسوم المقررة على هذه العمليات.

وتمنح المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أحد أكبر الحوافز الضريبية، إذ يصل رد التكاليف الاستثمارية إلى 50% لمدة 7 سنوات من بدء النشاط، بجانب تطبيق ضريبة قيمة مضافة بسعر صفر على الصادرات وما يورده السوق المحلي للمنطقة.

في المناطق الاستثمارية والتكنولوجية، يبرز عامل مختلف يتمثل في توفير أراضٍ ووحدات صناعية كاملة المرافق، بالإضافة إلى نظام الشباك الواحد الذي يسمح باستخراج الموافقات والتراخيص من خلال الهيئة العامة للاستثمار.

ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن بعض الحوافز غير الضريبية مثل الرخصة الذهبية ليست تلقائية لجميع المستثمرين، وإنما ترتبط بشروط وإجراءات تتضمن العرض على الوزير المختص والحصول على موافقة مجلس الوزراء.

المستثمر لا يشتري “حافزًا”.. بل يشتري بيئة تشغيل

يشير التقرير إلى أن النشاط نفسه يحدد النظام الاستثماري الأنسب؛ فالمناطق الحرة تبدو أكثر ملاءمة للمشروعات التي تستهدف الأسواق الخارجية، بينما تناسب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس الصناعات المرتبطة بالتصدير والموانئ والخدمات اللوجستية. في حين يمكن للاستثمار الداخلي والمناطق الاستثمارية خدمة السوق المحلية مع إمكانية التصدير.

لكن اختيار النظام ليس نهاية القرار؛ إذ يأتي بعده اختيار الموقع داخل النظام نفسه. هنا تظهر أهمية خمسة عوامل رئيسية: طبيعة المنتج، القرب من المواد الخام، توافر العمالة، البنية الأساسية والخدمات اللوجستية، والتكامل مع المشروعات القائمة.

يوضح التقرير ذلك بأمثلة عملية؛ فمصانع الألبان تستفيد من القرب من مناطق الإنتاج الحيواني لتقليل زمن وتكلفة نقل اللبن الخام. بينما اختارت شركة موبكو موقعها في المنطقة الحرة بدمياط لقربها من مصادر الغاز الطبيعي وميناء دمياط.

كما تتمتع المنطقة الحرة بمدينة نصر بميزة القرب من الكتلة السكانية ما يسهل الوصول إلى العمالة والخدمات المصرفية واللوجستية. بينما تواجه المنطقة الصناعية ببرج العرب الجديدة تحديًا أكبر في جذب العمالة بسبب بعدها النسبي عن التجمعات السكانية إذ تبعد نحو 55 كيلومترًا عن الإسكندرية.

6.8 مليار دولار مقابل 15.4 مليونًا

تكشف الأرقام الواردة في التقرير الفارق الكبير الذي يمكن أن يصنعه الموقع حتى داخل النظام الاستثماري الواحد. ففي المنطقة الحرة العامة بمدينة نصر يوجد نحو 206 مشروعات باستثمارات تقارب 6.8 مليار دولار حتى 2025 مقابل 7 مشروعات فقط في المنطقة الحرة العامة بقفط باستثمارات تبلغ نحو 15.4 مليون دولار مع وجود مساحات شاغرة قابلة للتخصيص.

يربط التقرير هذا التباين بعوامل تتجاوز الحوافز نفسها؛ حيث يعتبر قرب مدينة نصر من الأسواق والعمالة والخدمات عاملاً مؤثرًا مقارنة بالبعد النسبي لقفط عن الأسواق والموانئ وضعف بعض الخدمات المساندة.

ويتكرر الفارق داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس؛ إذ تضم المنطقة الصناعية بالعين السخنة 547 مشروعًا باستثمارات تبلغ 33.1 مليار دولار وتوفر أكثر من 133 ألف فرصة عمل مباشرة بالإضافة إلى 88 نشاطًا خدميًا مساندًا. بينما تضم المنطقة الصناعية بالقنطرة غرب 52 مشروعًا باستثمارات تصل إلى 1.5 مليار دولار.

يعتبر التقرير أن الفارق يرتبط بدرجة كبيرة بموقع العين السخنة بالقرب من ميناء السخنة وتكامل بنيتها الأساسية وتوافر الخدمات اللوجستية والصناعية مقارنة بدرجة نضج أقل للخدمات المساندة في القنطرة غرب.

لماذا يتفوق “المطور الصناعي”؟

تخلص الدراسة إلى أن تجربة المطور الصناعي تقدم نموذجًا مهمًا في معالجة أحد أبرز عوائق الاستثمار؛ إذ يتحمل المطور مسؤولية تنمية المنطقة وتجهيز البنية الأساسية مما يوفر للمستثمر أرضًا صناعية مرفقة وجاهزة ويقلل الأعباء التنفيذية عليه.

في المقابل لا يزال الاستثمار الداخلي يواجه تحديات مرتبطة بتخصيص الأراضي وتوصيل المرافق؛ حيث قد يجد المستثمر نفسه مضطرًا لضخ أمواله في المشروع ثم الانتظار حتى استكمال خدمات الكهرباء والمياه والصرف وهو ما يزيد التكلفة ويؤخر التشغيل.

يعتبر التقرير أن التحسن الذي شهدته إجراءات تخصيص الأراضي الصناعية خلال السنوات الأخيرة يمثل خطوة إيجابية مع استمرار الحاجة لاستكمال إصلاحات بيئة الأعمال.

الطلب على المناطق الحرة.. فرصة للتوسع

يشير التقرير أيضًا إلى ارتفاع الطلب على المناطق الحرة والذي يعكس جاذبية هذا النظام خاصة مع ما يوفره من تبسيط للإجراءات وسرعة في بدء النشاط. ولكن ارتفاع نسب الإشغال ونقص بعض الخدمات المساندة مثل صيانة المعدات والآلات يمثلان تحديًا جديدًا مما يدفع الدراسة للدعوة نحو التوسع المدروس لإنشاء مناطق حرة جديدة بما يتناسب مع الطلب الفعلي.

لا تتوقف توصيات المركز عند الأراضي والحوافز فحسب؛ بل تعتبر استقرار السياسة الاستثمارية أحد أهم محددات القرار الاستثماري. فالمستثمر يحتاج بيئة يمكن التنبؤ بها وألا يتعرض لشروط أو سياسات استثمارية جوهرية تتغير خلال فترة زمنية معقولة حددتها الدراسة بين 5 إلى 10 سنوات مما يسمح باتخاذ قرارات طويلة الأجل.

كما تدعو الدراسة إلى ضرورة أن تكون الحوافز غير الضريبية والامتيازات التي تتجاوز الإطار التقليدي قائمة على معايير واضحة وشفافة مما يعزز تكافؤ الفرص بين المستثمرين ويحد من الاعتماد على السلطة التقديرية في منح المزايا.