بينما يحتفل البيت الأبيض باقتراب إتمام اتفاق مع إيران، تدق أجهزة الاستخبارات الأمريكية ناقوس الخطر بشأن ممارسات إسرائيل الهادفة لعرقلة الخطوة.
وفى تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أشارت أن رغم متانة التحالف الأمريكى الإسرائيلى على مدار العقود الماضية، فإن رؤساء الولايات المتحدة لم يترددوا فى بعض المحطات التاريخية فى اتخاذ إجراءات ضد إسرائيل، أبرزها موقف الرئيس الأسبق، دوايت أيزنهاور، خلال العدوان الثلاثى على مصر عام 1956 عندما هدد بفرض عقوبات لإجبار إسرائيل على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة.
تحذير استخباراتى من نتنياهو
حذّرت وكالات الاستخبارات الأمريكية، إدارة الرئيس دونالد ترامب من أن بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الاحتلال، من المرجح أن يتخذ خطوات من شأنها تقويض جهود ترامب للتوصل إلى اتفاق سلام دائم مع إيران.
ورأى مسؤولون أمريكيون سابقون وحاليون خلال حديثهم لصحيفة «واشنطن بوست» أن إسرائيل تبدو مصممة على مواصلة عملياتها العسكرية ضد حزب الله فى لبنان، وهو توجه يتعارض مع أحد البنود الأساسية فى الاتفاق الناشئ، الذى يدعو إلى وقف الأعمال العدائية.
ويرى المسؤولون أنه إذا صعّد نتنياهو حملته العسكرية فى لبنان، فإنه لن يهدد فقط إطار الاتفاق الموقع مع إيران بل قد يعرض أيضًا علاقته بالرئيس الأمريكى للخطر، وهى علاقة كانت عنصرًا أساسيًا فى مسيرته السياسية.
لبنان طوق نجاة نتنياهو
خلص تقرير استخباراتى أمريكى جديد إلى أن بقاء نتنياهو السياسى، مع اقتراب الانتخابات المقررة هذا الخريف، مرتبط بإقناع جمهوره الداخلى بأنه لن يسحب القوات الإسرائيلية من لبنان، وأنه عازم على تصعيد القتال ضد حزب الله، حيث أوضح التقرير أن أى وقف للأعمال القتالية أو انسحاب من لبنان سيُنظر إليه داخل إسرائيل على أنه هزيمة سياسية لنتنياهو.
وأوضح مسؤول أمريكي حالى وآخر سابق أن التقرير يعكس اعتقاد تل أبيب بأن الاتفاق قد يحد من قدرتها على الدفاع عن نفسها ضد حزب الله.
فى المقابل، يؤكد مسؤولو إدارة ترامب أن بنود الاتفاق لا تمنع إسرائيل من الرد على هجمات حزب الله إذا تعرضت لإطلاق نار، وأن مخاوف نتنياهو تبقى أقل أهمية مقارنة بالحاجة إلى استكمال الاتفاق وإعادة فتح مضيق هرمز لتجنب أزمة اقتصادية عالمية.
ولا يزال الرأى العام الإسرائيلى – بحسب واشنطن بوست – مؤيدًا بقوة للجهود الرامية إلى تفكيك حزب الله، الجماعة المدعومة من إيران، فى الوقت الذى يتعرض فيه نتنياهو لانتقادات حادة من مختلف الأطياف السياسية لفشله فى القضاء على التهديد الذى يمثله الحزب.
وبحسب استطلاع أجراه فى مايو معهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلى، فإن 70% من الإسرائيليين يؤيدون تصعيد القتال ضد حزب الله. كما يرى محللون سياسيون إسرائيليون أن أى تراجع عسكرى سيُفسر من قبل الناخبين على أنه علامة على الهزيمة.
وقال مسؤول أمريكى ثانٍ، فى تقييم مستقل، إن رفض إسرائيل سحب قواتها من جنوب لبنان قد يكون كافيًا لإفشال الاتفاق الهش بين واشنطن وطهران.
وأضاف: «إن استمرار احتلال أجزاء من لبنان وصفة مؤكدة لكارثة، ومن دون انسحاب إسرائيلى كامل، فإن احتمال تجدد المواجهات بين الجيش الإسرائيلى وحزب الله يكاد يكون حتميًا».
المخاطرة بالعلاقة مع ترامب
رأى دانى سيترينوفيتش، المحلل السابق فى الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن نتنياهو يخاطر بإثارة «احتكاك هائل» مع ترامب، الذى خاض الحرب ضد إيران فى 28 فبراير الماضي بناءً على إلحاح نتنياهو، قبل أن يجد نفسه غارقًا فى صراع كلف أمريكا عشرات المليارات من الدولارات، وأسفر عن ارتفاع أسعار الغاز عالميًا ومقتل 13 جنديًا أمريكيًا.
وقال سيترينوفيتش،: «بيبى فى وضع بالغ الصعوبة. إنه يرى أن أكبر خصومه، أى النظام الإيرانى، يجرى تعزيزه من قبل الإدارة الأمريكية، ولا يستطيع فعل شيء حيال ذلك».
من جانبه، قال هاريسون مان، المحلل السابق فى وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية، إن التقارير تعكس أحد أهم الدوافع التى تحكم قرارات نتنياهو السياسية، موضحا أن: «الحرب الدائمة والتوسع الإقليمى شكّلا المحرك الأساسى للسياسة الإسرائيلية لسنوات. وليس من المستغرب أنه مع اقتراب الانتخابات، يحتاج نتنياهو إلى إثبات أنه قادر على تحقيق ذلك بصورة أفضل من منافسيه».
أوراق ترامب للضغط على إسرائيل.. وسيناريو أزمة السويس
يمتلك ترامب – بحسب واشنطن بوست – أدوات ضغط مؤثرة على إسرائيل.
وأوضح هاريسون مان أن: «الولايات المتحدة تستطيع وقف إمدادات الذخائر ووقود الطائرات والدعم الفنى، ما سيحد من نطاق أى هجوم إسرائيلى، كما يمكنها تجميد تبادل المعلومات الاستخباراتية الحيوية أو سحب القوات الأمريكية المنتشرة حاليًا للمساعدة فى حماية الأجواء الإسرائيلية، وهو ما سيرفع كلفة أى حرب سيشنها نتنياهو».
وذكرت الصحيفة الأمريكية، أنه ورغم أن الرؤساء الأمريكيين تجنبوا إلى حد كبير اتخاذ مثل هذه الخطوات، فإن بعضهم اتخذ إجراءات لافتة خلال فترات التوتر مع إسرائيل وفقا للتالى:
– 1956 «العدوان الثلاثى على مصر» أو ما يعرف بـ«أزمة السويس»، هدد الرئيس دوايت أيزنهاور، إسرائيل بفرض عقوبات إذا لم تسحب قواتها من شبه جزيرة سيناء عام 1956.
– 1981 أرجأ الرئيس رونالد ريجان تسليم مقاتلات إف-16 المتطورة ردًا على القصف الإسرائيلى المفاجئ لمفاعل نووى عراقى.
– امتنع الرئيس جورج بوش الأب عن تقديم ضمانات قروض إسكانية للضغط على إسرائيل لوقف بناء المستوطنات الجديدة فى الضفة الغربية وقطاع غزة.
وقال آرون ديفيد ميلر، الباحث البارز فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى،: «إذا سألتنى: هل سبق لرئيس أمريكى أن هدد إسرائيل بفرض أثمان وعواقب حقيقية وفورية؟ فإجابتى ستكون لا». وأضاف: «إذا لم تعمل إيران على كبح هجمات حزب الله على شمال إسرائيل، فلا يهمنى ما يقوله ترامب، لأن نتنياهو سيرد فى النهاية».

