بعد أسابيع من التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، تواجه وعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتحقيق السلام في المنطقة اختبارًا صعبًا، بعدما تعثرت المفاوضات، واستؤنفت العمليات القتالية، وأُعيد فرض العقوبات الأمريكية. كما فرضت السفن الحربية الأمريكية حصارًا جديدًا على إيران. بعد 13 ليلة متتالية من الهجمات، جاءت هدنة هشة استمرت ثلاث ليالٍ، لتطرح السؤال مجددًا: هل يملك ترامب القدرة على إنهاء حرب وصلت إلى طريق مسدود؟
حروب الرؤساء.. لماذا يصعب إنهاؤها؟
تشير التجارب التاريخية إلى أن رؤساء الولايات المتحدة نادرًا ما ينجحون في إنهاء الحروب التي بدأوها. إذ تدفعهم اعتبارات سياسية ونفسية مرتبطة بالسمعة إلى التمسك بتحقيق مكاسب واضحة قبل القبول بالسلام. هنا يظهر مفهوم “التكاليف الغارقة”، حيث يشعر الرئيس بأن حجم ما أنفقه من موارد يستوجب تحقيق نتائج تبرر قرار الحرب.
وبحسب تقرير لمجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، يضاف إلى ذلك هاجس المصداقية، حيث يخشى الرئيس أن يؤدي التراجع إلى الإضرار بصورة الولايات المتحدة أمام خصومها وحلفائها. في مواجهة خصم قوي مثل إيران، قد تدفع هذه الحسابات إلى إطالة حالة الجمود حتى اقتراب نهاية الولاية الرئاسية، بدلًا من تقديم التنازلات اللازمة لإنهاء الصراع.
ويشير التقرير إلى أن هذا النمط تكرر في حروب أمريكية عدة منذ الحرب العالمية الثانية. فعلى سبيل المثال، بعد وصول الحرب الكورية إلى طريق مسدود عام 1951، تمسك الرئيس هاري ترومان بشروط صارمة في مفاوضات الهدنة متأثرًا بمخاوفه من الظهور بمظهر المتساهل تجاه الشيوعية ومخاطر تضرر مصداقية الولايات المتحدة. وغادر منصبه دون معاهدة سلام.
ترامب بين الاتفاق النووي وإرث الحرب
يواجه ترامب اليوم معضلة مشابهة مع إيران، خصوصًا بعدما وصلت المواجهة إلى طريق مسدود عقب إغلاق طهران مضيق هرمز في أوائل مارس. وفي وقت تبدو فيه فوائد الحرب بالنسبة للأمن الأمريكي محدودة مع تراجع المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وزيادة أهمية التحديات الآتية من آسيا، يضغط ترامب على نفسه لتحقيق اتفاق يراه أفضل من الاتفاق النووي الذي أبرمه الرئيس السابق باراك أوباما.
هذا الموقف يحمل أثرًا مباشرًا لقرار ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018 وبدء سياسة “الضغط الأقصى” على إيران. إذ يسعى الآن لإثبات صواب قراره السابق ويريد إعادة تشكيل الشرق الأوسط بطريقة يرى أنه لم يجرؤ أي رئيس سابق على تنفيذها، مما يزيد ارتباطه الشخصي بنتائج المواجهة.
وقد انعكست هذه الحسابات على المفاوضات؛ إذ استمرت محادثات مذكرة التفاهم لأسابيع خاصة بعدما فقد ترامب جزءًا من نفوذه عقب إغلاق مضيق هرمز. وفقًا للتقرير، كان الرئيس الأمريكي يريد اتفاقًا يمكن تقديمه باعتباره “انتصارًا” مثل توسيع اتفاقيات أبراهام أو الحصول على تعهد إيراني بالتخلي عن اليورانيوم عالي التخصيب.
مذكرة التفاهم.. عندما اصطدمت المفاوضات بحسابات الصورة
بحسب “فورين بوليسي”، تزايدت حساسية ترامب تجاه سمعته بعد نشر بنود مذكرة التفاهم في 17 يونيو. إذ واجه انتقادات من معارضيه الذين اعتبروا الاتفاق ضعيفًا ويتضمن تنازلات مفرطة لإيران مقارنة مباشرة بالاتفاق النووي الذي أبرمه أوباما. رد ترامب على ذلك بإفشال الجولة الأولى من المحادثات رفيعة المستوى عبر إصدار تصريحات شديدة اللهجة بشأن نيته “سحق” إيران والسيطرة عليها.
نتيجة لذلك انسحب الإيرانيون من المحادثات ولم يتحقق تقدم منذ ذلك الحين. أصبح التوصل إلى اتفاق نهائي أكثر صعوبة؛ فمذكرة التفاهم كانت في الأساس إطارًا لوقف إطلاق النار وتحديد أجندة التفاوض بينما تتطلب المرحلة الحالية حسم قضايا ملموسة تمس صورة ترامب وإرثه السياسي مما يقلل مساحة المناورة أمامه ويجعله أكثر تمسكًا بالمطالب التي طرحها قبل الحرب.
كما أن تراجع الضغوط الاقتصادية داخل الولايات المتحدة بعد انخفاض أسعار الوقود عقب دخول المذكرة حيز التنفيذ قلل من دوافع ترامب للوصول سريعًا إلى اتفاق نهائي. وبذلك أصبحت اعتبارات السمعة أكثر تأثيرًا في قراراته وهو ما انعكس بالفعل على مسار المفاوضات وربما ساهم في عودة التصعيد العسكري.
هل يفرض الكونجرس طريقًا آخر للسلام؟
رغم أن الحروب المتعثرة لا تستمر إلى الأبد فإن التاريخ يشير إلى أن خليفة الرئيس الذي بدأ الحرب غالبًا ما يكون الأقدر على إنهائها لأنه لا يحمل العبء السياسي نفسه ويستطيع الاعتراف بالفشل وتعديل شروط التفاوض بسهولة أكبر. ومع ذلك يبقى ترامب قادرًا على كسر هذا النمط؛ فقد أنهى العام الماضي الحرب الجوية مع الحوثيين ورفض إرسال قوات برية أمريكية للصراع الإيراني متجاهلًا مخاوف المصداقية لصالح حسابات الأمن القومي.
لكن فرص حدوث تحول مماثل مع إيران تبدو محدودة في ظل اهتمام ترامب الشخصي بتحقيق نصر في هذه المواجهة وضعف آليات الرقابة على قرارات الأمن القومي داخل إدارته. لذلك قد يكون الضغط الخارجي وخاصةً من الكونجرس أحد المسارات القليلة القادرة على دفع الإدارة نحو خفض التصعيد عبر جلسات الاستماع والرقابة والحد من تمويل الحرب أو فرض شروط على التمويل المستقبلي.
ورغم أن الكونجرس لم ينجح تاريخيًا في إيقاف الحروب بشكل مباشر فإن تدخله ساهم في دفع مسارات السلام في فيتنام والحد من زيادة القوات في العراق عام 2007 ومنع تصعيد أكبر في السلفادور. ومع ذلك فإن الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية قد يطيل الحرب كما حدث في فيتنام حيث استمرت سنوات رغم زيادة الرقابة والضغط البرلماني.
خليفة ترامب أمام مهمة إنهاء الحرب
يخلص التقرير إلى أنه وفق هذه المعطيات يبدو أن ترامب قد يغادر منصبه دون اتفاق سلام نهائي ليجد خليفته نفسه أمام مهمة معالجة وضع معقد في إيران. وسيكون أمام الرئيس المقبل وفق هذا الطرح فرصة أكبر لتبني مقاربة براغماتية تقوم على الاعتراف بفشل الحرب وتخفيف شروط التفاوض مستفيداً من عدم تحمله مسؤولية بدء الصراع.
وقد تعني هذه المقاربة قبول خطوط إيران الحمراء بشأن تخصيب اليورانيوم بالإضافة إلى صيغة تضمن قدرًا من السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز الذي يمثل أحد الأسباب الرئيسية لتجدد المواجهة. ورغم أن هذه التنازلات قد تبدو صعبة سياسيًّا فإن محدودية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط تجعلها وفق التقرير أقل كلفة من استمرار الحرب.
في النهاية فإن السؤال لا يتعلق فقط بقدرة ترامب على تحقيق السلام الذي وعد به بل بمدى استعداده للتخلي عن شروطه القصوى والاعتراف بأن الحرب وصلت إلى طريق مسدود. وإذا لم يفعل فقد يظل اتفاق السلام النهائي مؤجلًا لما بعد ولايته عندما يجد رئيس آخر نفسه أمام مهمة إنهاء حرب لم يبدأها لكنه سيضطر لتقديم التنازلات التي رفضها سلفه.

