أظهر تقرير حديث بعنوان “مراجعة ديناميكيات الأعمال في مصر” الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، واقع بيئة الأعمال في مصر، مع التركيز على المشروعات الناشئة والصغيرة والمتوسطة والاقتصاد غير الرسمي. كما يقدم التقرير توصيات لتحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل وتعزيز نمو القطاع الخاص.
ويشير التقرير إلى أن الشركات الناشئة تشكّل 15% من شركات القطاع الصناعي و18% من شركات الخدمات غير المالية، وهي نسب تقترب من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ومع ذلك، يلفت التقرير إلى أن 70% من الشركات الصناعية الناشئة و58% من شركات الخدمات الناشئة بدأت نشاطها داخل الاقتصاد غير الرسمي، قبل أن تتراجع نسبة الشركات غير الرسمية إلى أقل من 30% بين الشركات التي يتجاوز عمرها 15 عامًا.
وعلى مستوى التشغيل، تساهم الشركات الناشئة في توفير 8% من فرص العمل بالقطاع الصناعي و13% في قطاع الخدمات غير المالية. إلا أن التقرير يرصد استمرار هيمنة المشروعات متناهية الصغر على هيكل الاقتصاد؛ إذ تمثل 93% من الشركات الصناعية و97% من شركات الخدمات غير المالية، فيما تتركز أكثر من 70% من العمالة الصناعية داخل الشركات متناهية الصغر والشركات الكبرى.
وفيما يتعلق بريادة الأعمال، يوضح التقرير أن مشاركة المرأة لا تزال محدودة، حيث تمتلك النساء 4% فقط من الشركات الصناعية، وترتفع النسبة إلى 10% في قطاع الخدمات غير المالية، وهي معدلات تقل عن نظيراتها في عدد من الاقتصادات النامية.
ويرصد التقرير كذلك تحديات بيئة الأعمال، موضحًا أن المشروع الاستثماري يحتاج عادة إلى 5-13 ترخيصًا أو موافقة قبل بدء النشاط. بينما تستهدف مراكز خدمات المستثمرين إصدار التراخيص خلال 60 يومًا. وتعمل الحكومة على إطلاق منصة التراخيص الموحدة التي ستضم 43 جهة حكومية وتقدم 470 خدمة رقمية، على أن يكتمل تنفيذها خلال عام 2026.
وفي الجانب الضريبي، يشير التقرير إلى أن 24% من المشروعات متناهية الصغر و27% من المشروعات الصغيرة تعتبر معدلات الضرائب أكبر العقبات أمام نمو أعمالها، بجانب صعوبات التمويل والاندماج في الاقتصاد الرسمي.
ويرى التقرير أن مصر بحاجة إلى تطوير قاعدة بيانات موحدة للشركات وإنشاء سجل إحصائي للأعمال داخل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بما يسمح بقياس ديناميكيات الشركات بصورة أكثر دقة ودعم صنع السياسات الاقتصادية.
الانضمام للاقتصاد الرسمي
يقول الدكتور وليد جاب الله عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي إن أصحاب الأنشطة الاقتصادية يميلون بطبيعتهم للعمل بحرية أكبر. لذلك يتردد بعضهم في الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي بسبب ما يرتبط به من التزامات تنظيمية تشمل التراخيص والضرائب والتأمينات والاشتراطات البيئية وحقوق العاملين.
ويضيف لـ”مصراوي” أن مسؤولية الدولة تتمثل في تبسيط الإجراءات وإرسال رسائل طمأنة لأصحاب المشروعات بحيث يصبح الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي أقل تكلفة وأكثر سهولة. مما يحقق التوازن بين مصلحة الدولة ومصلحة أصحاب الأنشطة الاقتصادية.
ويوضح عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي أن بعض الأنشطة تجد نفسها مضطرة للعمل داخل الاقتصاد الرسمي، خاصة المشروعات التي تستهدف التعاقد مع الجهات الحكومية أو الاستفادة من الحوافز الاستثمارية والتمويل البنكي. إذ إن هذه المزايا تتطلب التسجيل الرسمي.
العمالة غير الرسمية
بينما تقول الدكتورة أميرة الحداد الباحثة بقسم الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية بالمعهد الألماني للتنمية والاستدامة إن العمالة غير الرسمية لا تقتصر على المنشآت غير المسجلة بل تنتشر أيضًا داخل الشركات المسجلة رسميًا. مما يجعل الظاهرة أكثر تعقيدًا من مجرد تسجيل الشركات.
وتضيف لـ”مصراوي” أن العمالة غير الرسمية تمثل في المتوسط نحو ربع إجمالي العمالة داخل الشركات الرسمية بينما تتجاوز 50% في الشركات التي تعتمد على هذا النمط من التوظيف. وهو ما يعكس اعتماد عددٍ من الشركات على العمالة غير الرسمية كجزءٍ من استراتيجيتها التشغيلية.
وتوضح أن تشديد الرقابة وحده لن يكون كافيًا للحد من الظاهرة بل قد يؤدي إلى زيادة تكلفة التوظيف وتقليص فرص العمل. مؤكدةً أن السياسات الأكثر فاعلية هي تلك التي تقلل تكلفة العمل الرسمي عبر تبسيط الإجراءات الضريبية وخفض الأعباء الإدارية وتطوير نظم التأمينات الاجتماعية.
وتذكر الباحثة أن استمرار العمالة غير الرسمية يرتبط بحوافز لدى طرفي سوق العمل؛ إذ تستفيد الشركات من انخفاض التكاليف والمرونة بينما يفضل بعض العمال ارتفاع الدخل الصافي أو لا يرون مزايا كافية للعمل الرسمي.
بينما تلفت إلى ضرورة ربط سياسات سوق العمل بالسياسات الصناعية عبر دعم الشركات في التوسع والتصدير وتبني التكنولوجيا وتحسين الإدارة وتسهيل التمويل بما يعزز قدرتها على خلق وظائف رسمية ومستدامة.
وتضيف أن نمو الشركات أو تسجيلها رسميًا لا يؤدي تلقائيًا إلى القضاء على العمالة غير الرسمية مما يستلزم تبني سياسات تستهدف تقليل العمالة غير الرسمية داخل الشركات نفسها وليس الاكتفاء بتسجيل المنشآت.
أساس التنمية.. الصناعات الصغيرة
يرصد حوار أجراه بنك التنمية الأفريقي بعنوان “من التشتت إلى رؤية مشتركة: كيف تعيد مصر تشكيل منظومة الشركات الناشئة؟” مع تامر طه خبير الابتكار وريادة الأعمال والتمويل التنموي والمستشار السابق لوزير التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي التطور الذي شهدته منظومة الشركات الناشئة في مصر خلال السنوات الأخيرة والذي تُوج بإطلاق ميثاق الشركات الناشئة المصري في فبراير عام 2026 بهدف توحيد السياسات الحكومية وتحسين التنسيق بين الجهات المختلفة ووضع إطار موحد لدعم ريادة الأعمال باعتبارها أحد محركات النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
ويشير الحوار إلى أن الميثاق وضع تعريفًا واضحًا للشركات الناشئة واستحدث نظام Startup ID لمنح الشركات المؤهلة مزايا وحوافز موجهة. كما تضمن أكثر من 80 إجراءً وسياسة لتحسين التمويل والوصول للأسواق والخدمات الحكومية وتنمية الكفاءات.
ويتناول الحوار كذلك قضية الاقتصاد غير الرسمي مؤكدًا أن دمج المشروعات في الاقتصاد الرسمي لا يتحقق عبر التشريعات فقط وإنما عبر توفير حوافز حقيقية مثل التدريب وتطوير الأعمال والتمويل وفتح الأسواق مما يجعل التحول إلى الاقتصاد الرسمي أكثر جدوى لأصحاب المشروعات.
كما يذكر أن نمو الشركات الناشئة يسهم في خلق وظائف رسمية وتحسين الإنتاجية وأن التعاون الإقليمي بين دول شمال أفريقيا يمكن أن يعزز الاستثمار وريادة الأعمال والتحول نحو الاقتصاد الرسمي.
يشير الدكتور وليد جاب الله إلى أن الاقتصاد الموازي ظاهرة موجودة في جميع دول العالم لكن التحدي في مصر يتمثل في اتساع حجمه. لافتًا إلى تقديراته التي تصل لنحو 40% من النشاط الاقتصادي حسب تصريحه موضحًا أن الهدف ليس القضاء عليه بالكامل وإنما تقليص حجمه وزيادة نسبة اندماجه في الاقتصاد الرسمي.
ويذكر أن الدولة اتخذت خلال السنوات الأخيرة مجموعةً من الإجراءات لتشجيع المشروعات على الانضمام إلى المنظومة الرسمية منها الحوافز الضريبية والتيسيرات الواردة بقوانين الاستثمار والشركات وبرامج التمويل مشيرًا إلى أن هذه الإجراءات حققت نتائج إيجابية لكنها لا تزال بحاجة لمزيدٍ من التطوير لتحقيق المستهدف.
وفيما يتعلق بدور جهاز تنمية المشروعات أوضح أنه يعمل بالكامل داخل المنظومة الرسمية ولا يقدم خدماته لمشروعات القطاع غير الرسمي إذ يشترط العمل وفق الأطر القانونية كما يوفر دراسات الجدوى والتدريب ويساعد رواد الأعمال في استخراج التراخيص والحصول على التمويل وتسويق منتجاتهم.
ويذكر جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر أنه ضخّ مبلغ 4.5 مليار جنيه بمحافظة القاهرة خلال الفترة ما بين يوليو عام 2014 وحتى مايو عام 2026 لدعم المشروعات الصغيرة والتنمية المجتمعية بينما شملت التمويلات نحو 4.3 مليار جنيه للمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر ساهمت في تمويل نحو 98.6 ألف مشروع وفرت حوالي 181.7 ألف فرصة عمل.

