تتأثر اقتصاديات دول الخليج العربية بشكل كبير مع استمرار التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، مما يدفع هذه الدول إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الاقتصادية في ظل هذه الظروف الصعبة.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها اقتصادات الخليج لصدمة مرتبطة بالحرب. فقد شهد اقتصاد الكويت انكماشًا يتراوح بين 41 و50% خلال الفترة من 1990 إلى 1991 بعد الغزو العراقي، بينما استمر النمو الاقتصادي ببطء عند نحو 2% سنويًا في المنطقة خلال ثمانينيات القرن الماضي أثناء الحرب العراقية الإيرانية. وكلا الحدثين كان لهما تأثير كبير على إمدادات النفط وصادراته، حيث أدت الحرب العراقية الإيرانية إلى اضطرابات في مضيق هرمز.
في الوقت الراهن، تشير تقديرات بعض بيوت الخبرة الاقتصادية العالمية إلى أن إغلاق مضيق هرمز لمدة شهرين قد يؤدي إلى خسارة تصل إلى 14% من الناتج المحلي الإجمالي لقطر والكويت، و3-5% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بحلول عام 2026. ومع ذلك، تبقى هذه الأرقام تقديرات أولية ولا تأخذ بعين الاعتبار الأضرار المحتملة للبنية التحتية الإقليمية، بالإضافة إلى احتمال حدوث صدمات في أسعار الغذاء والوقود التي قد تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الواردات وخسائر في قطاع السياحة وهروب الاستثمارات نتيجة لصراع مطول. وبالتالي، لا يزال التأثير الاقتصادي الكامل للصراع غير واضح في الوقت الحالي، بينما تستمر الأحداث.
من المؤكد أن دول الخليج العربي بدأت بالفعل في مراجعة استثماراتها بسبب التأثيرات الاقتصادية للحرب. ومن المتوقع أن تعيد دول مجلس التعاون الخليجي وصناديقها السيادية تقييم استثماراتها الخارجية، خاصة فيما يتعلق بالسندات الحكومية الأجنبية والعقارات غير الاستراتيجية والأصول الرقمية وعمليات البيع المدروسة في أسواق الأسهم الأجنبية. وفي الوقت نفسه، قد يؤدي الضغط نحو الانتعاش الاقتصادي إلى إنهاء مشاريع ضخمة مثل مشروع “نيوم” الذي كان يخضع لمراجعات استراتيجية قبل الحرب.
على المدى الطويل، ستستثمر دول الخليج بشكل مكثف في بدائل لممر هرمز مثل خطوط السكك الحديدية التي تربط البحر الأحمر وأساطيل النقل بالشاحنات الأكبر حجمًا وخطوط الأنابيب عبر المملكة العربية السعودية أو حول ممر هرمز. كما ستوسع إنفاقها على الطاقة المرنة وتحلية المياه وبنية تحتية للموانئ المحصنة ضد الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ – وهي مشاريع غالبًا ما ستكون بطيئة ومكلفة عند تنفيذها على نطاق واسع مما يرهق الميزانيات.
من الملاحظ أن بعض الدول الخليجية مثل قطر والإمارات قد تتردد في بناء بنية تحتية تعتمد فقط على حسن نية المملكة العربية السعودية (مثل السكك الحديدية وخطوط الأنابيب) خوفًا من أن تؤدي أي توترات دبلوماسية مستقبلية بين دول مجلس التعاون الخليجي إلى استخدام الرياض لهذه العلاقات كورقة ضغط. وقد تتجه أبوظبي والدوحة نحو سلطنة عمان بحثًا عن خيارات بديلة للبنية التحتية بالإضافة إلى الخيارات السعودية تجنبًا لأي احتكاك مع الرياض الذي قد يضعف وصولهما إلى البحر الأحمر.
وأخيرًا، من المحتمل أن تتبنى الإمارات العربية المتحدة وقطر سياسات تهدف لحماية حصصهما في السياحة والاستثمار والتجارة من خلال منافسة السعودية فيما يتعلق بالتكاليف ونمط الحياة. وقد يشمل ذلك مزيدًا من التحرير الاجتماعي واستخدام العائدات الكبيرة من الطاقة لدعم القطاعات الرئيسية التي قد تخسران فيها حصة سوقية لصالح السعودية.
أيضًا، قد تستثمر دول مثل الإمارات التي تعرضت لهجمات إيرانية مكثفة خلال الحرب بشكل كبير في إنشاء ملاجئ مضادة للقنابل وأنظمة الإنذار المبكر بالهجمات الجوية لتعزيز الشعور بالأمان خاصة إذا توقعت نشوب صراع آخر قريباً.

