تحت ظلال الشجرة التي حفظت ذكرى العائلة المقدسة….

لم تكن رحلة العائلة المقدسة للسيدة العذراء مريم والسيد المسيح عيسى عليه السلام ويوسف النجار عبر أرض مصر رحلةً عابرة تُقاس بالأيام أو بعدد المحطات، بل كانت مسيرةً صنعت من كل بقعة مرّت بها صفحةً مضيئة في تاريخ الإنسانية. وبعد مغادرة العائلة المقدسة للمحمة، واصلت طريقها شرقًا حتى بلغت مدينة بلبيس بمحافظة الشرقية.

تلك المدينة العريقة التي استقبلت الركب المبارك، وحفظت في ذاكرتها واحدةً من أكثر الصور إنسانيةً ودفئًا في مسار الرحلة. كانت السماء آنذاك تخفي سرًا كبيرًا، بينما كانت الأرض تستعد لاستقبال ضيوف لم يحملوا معهم جيشًا ولا سلطانًا، وإنما حملوا رسالة سلام ورحمة.

خرجت السيدة مريم تحمل طفلها المبارك، ويصحبهما القديس يوسف النجار هربًا من بطش الملك هيرودس الذي أصدر أوامره بقتل الأطفال خوفًا على ملكه. لم يكن الهروب بحثًا عن النجاة فحسب، بل كان تنفيذًا لمشيئة إلهية اختارت مصر لتكون الملاذ الآمن.

كان الطريق لا يزال طويلًا، والشمس ترسل أشعتها على القافلة الصغيرة الإلهية للعائلة المقدسة، التي لم تحمل سوى الإيمان والثقة بالله. كانت السيدة مريم تضم طفلها المبارك إلى صدرها، بينما يتقدم القديس يوسف النجار بخطوات ثابتة يبحث عن مكان يقي الأسرة عناء السفر ويمنحها لحظات من الراحة. وهناك، في بلبيس المحطة الرابعة، وجدت العائلة شجرة باسقة ألقت بظلالها الوارفة عليهم، فتحولت تلك اللحظة البسيطة إلى ذكرى خالدة تناقلتها الأجيال.

وتُعرف هذه الشجرة في التراث باسم شجرة العذراء، إذ تروي الروايات الكنسية أن العائلة المقدسة استظلت تحت أغصانها أثناء رحلتها، فغدت رمزًا للطمأنينة بعد مشقة الطريق وللرحمة التي ترافق المسافرين في ساعات التعب والخوف. ولم تعد الشجرة مجرد نبات يضرب بجذوره في الأرض، بل أصبحت شاهدًا حيًا على مرور العائلة المباركة وعلامة يقصدها الزائرون لاستحضار تلك اللحظات التاريخية. ويروي المؤرخون أن عسكر نابليون بونابارت عام 1798 أرادوا قطع تلك الشجرة ليستفيدوا بخشبها، فلما ضربوها بالفأس أول ضربة نزف الدم من شجرة العذراء فأرتعب العسكر ولم يجرؤوا على المساس بها.

وتكتسب بلبيس خصوصية أخرى في مسار الرحلة، إذ تشير المصادر إلى أن العائلة المقدسة مرت بها مرة ثانية أثناء عودتها من صعيد مصر إلى فلسطين لتصبح المدينة من المحطات القليلة التي شهدت عبور الركب المبارك ذهابًا وإيابًا وكأنها كانت تودعهم عند الرحيل ثم تستقبلهم مرة أخرى قبل مغادرة أرض مصر.

وعبر القرون، حافظت بلبيس على مكانتها باعتبارها إحدى المحطات المهمة في مسار العائلة المقدسة. وظلت شجرة العذراء رمزًا دينيًا وتاريخيًا يستدعي في ذاكرة الزائرين معاني السكينة والسلام. كما شهدت المنطقة اهتمامًا متزايدًا ضمن مشروع إحياء مسار العائلة المقدسة الذي يهدف إلى إبراز المواقع التي مر بها الركب المبارك وتعريف العالم بما تحمله مصر من إرث روحي وحضاري فريد.

ولم تكن قيمة بلبيس في موقعها الجغرافي فحسب، بل في الرسالة التي بقيت تحملها عبر العصور؛ فكما منحت الشجرة ظلها للمسافرين الغرباء ظلت مصر كلها تفتح ذراعيها لمن قصدها طالبًا الأمن والسلام. ومن هنا أصبحت المدينة شاهدًا على قيمة الضيافة والرحمة وهما من أسمى القيم التي ارتبطت برحلة العائلة المقدسة.

واليوم عندما يقف الزائر في بلبيس ويتأمل المكان الذي ارتبط بذكرى الشجرة المباركة يشعر بأن الزمن لم ينجح في محو أثر تلك الرحلة؛ فما زالت الأرض تحتفظ بعبق التاريخ وما زالت الحكايات تنتقل من جيل إلى آخر لتؤكد أن بعض الأماكن لا تخلدها الأبنية الضخمة بل يخلدها حدث إنساني بسيط صنعه ظل شجرة احتضنت أسرة مهاجرة في لحظة من لحظات التعب.

وهكذا بقيت بلبيس صفحةً مضيئة في سجل رحلة العائلة المقدسة وواحدة من المحطات التي تروي للعالم أن أرض مصر لم تكن مجرد طريق للعبور بل كانت وطنًا منح الأمان وترك في ذاكرته شواهد خالدة على رحلة ستظل من أعظم الرحلات الروحية في التاريخ.

وما تزال بلبيس حتى اليوم تحمل هذا المعنى العميق في وجدان أهلها وزائريها؛ فهي ليست مجرد مدينة عابرة في خريطة المسار بل نقطة التقاء بين التاريخ والإيمان وبين الذاكرة الشعبية والرواية الدينية. وفي كل زيارة للمكان تتجدد الحكاية من جديد وكأن الشجرة ما زالت تهمس بظلها القديم وتعيد إلى الأذهان صورة الركب المبارك وهو يواصل طريقه في صمت ووقار.

كما أن الاهتمام المتزايد بهذا الموقع يفتح الباب أمام مزيد من التعريف بقيمة مسار العائلة المقدسة في مصر بوصفه أحد أهم المسارات الروحية في العالم وأحد الشواهد التي تؤكد عمق العلاقة بين الأرض المصرية والرسالات السماوية. ومن هنا تبقى بلبيس جزءًا أصيلًا من هذا الإرث ووجهة تحمل في تفاصيلها رسالة سلام تتجاوز حدود المكان والزمان.