تُعد بعض اللحظات في تاريخ الأمم محورية، حيث لا تقاس بمرور الوقت، بل بحجم الشحنة العاطفية التي تحملها، والتي تنفجر لتعلن عن ميلاد واقع جديد. ما حدث بالأمس على أرض الملعب، وتلك الصافرة التي أعلنت صعود مصر إلى دور الستة عشر في كأس العالم لأول مرة في التاريخ، لم يكن مجرد انتصار في مباراة لكرة القدم.
كان الأمر بمثابة إعلان عن انتفاضة كبرياء وطنية، زلزلت الوجدان القومي من الإسكندرية إلى أسوان، وأعادت صياغة ثقة المصريين في قدرتهم على اقتحام المحافل الدولية وفرض وجودهم.
عند النظر إلى المشهد عن كثب، نجد أن الكرة المصرية عانت لعقود من عقدة نفسية معقدة؛ تتمثل في التلازم الوهمي بين الإنجاز العالمي وبين الاعتماد على العقل الأجنبي. وكأنه كتب على الفراعنة ألا يتجاوزوا سقفًا زجاجيًا إلا بمباركة “خبير مستورد” أو “مدرب أجنبي” يتقاضى الملايين.
لكن ما تحقق في هذه البطولة كان بمثابة “حركة تصحيح” للمفاهيم. لقد تحطم هذا الجدار النفسي السميك، ليس بفعل الصدفة، بل نتيجة إدراك عميق بأن الأزمات الكبرى لا يحلها إلا أبناؤها، وأن شفرة الشخصية المصرية لا يملك مفاتيحها إلا من نبت من طين هذه الأرض وتحدث بلغتها.
وهنا نصل إلى بؤرة الضوء في المشهد بأسره.
إن المدرب حسام حسن لم يكن مجرد مدرب يضع خطة على الورق، بل كان أشبه بـ”مهندس استراتيجي” أدار المعركة برؤية واضحة. وقد تميزت تجربته بثلاث ركائز أساسية:.
- أولاً: استطاع تحويل طاقة الإحباط لدى اللاعبين إلى طاقة فعل، مستدعياً مخزون “العناد الحضاري” الكامن في الشخصية المصرية عند مواجهة التحديات.
- ثانياً: كانت حساباته واقعية؛ إذ لم يدخل مغامرات غير محسوبة بل قرأ موازين القوى بذكاء شديد وأدار مبارياته بمنطق “النفس الطويل” واقتناص الفرص المناسبة.
- ثالثاً: قدم حسام حسن دليلاً عملياً للعالم بأسره يثبت أن الكفاءة الوطنية إذا ما أتيحت لها الظروف وحصنت بالثقة قادرة على صياغة معادلات جديدة تتفوق على أرقى المدارس التكتيكية العالمية.
لقد شهدنا انضباطاً تكتيكياً حديدياً واستبسالاً دفاعياً يذكرنا بمعارك العبور الكبرى، حيث تصبح المساحة والزمن هما أداتا المعركة. لم يكن الجهد المبذول من أجل مجد شخصي، بل كان هناك إحساس طاغ بالمسؤولية تجاه ملايين العيون المعلقة بالشاشات التي تنتظر لحظة فرح مشروعة في زمن عزت فيه الأفراح.
وأخيرًا، يجب أن يدرك قطار الفراعنة الذي وصل إلى محطة الـ16 لأول مرة أنه لا ينبغي له أن يتوقف للاحتفال بما حققه. إن القيمة الحقيقية لهذا العبور التاريخي تكمن في أنه فتح آفاقاً أمام طموحات بلا حدود.
دخلت مصر، مع مدربها الوطني حسام حسن وكل فريق المنتخب المصري، مرحلة “السياسة العليا” للكرة العالمية. وأيا كانت هوية الخصم القادم في النهائي، فإن المنتخب المصري يتوجه إليه بقوة دفع تاريخية وروح معنوية عالية تؤكد أن هذا الوطن يمتلك دائماً القدرة على تجديد شبابه وإبهار العالم بمعجزات تصنعها أيادي مصرية خالصة.

