لواء/مصطفى زكريا.
الخميس 23/يوليو/2026 – 10:01 ص .
هل لاحظت يومًا أن بعض الناس يتقدمون في العمر، لكنهم لا يزدادون نضجًا؟ وفي المقابل، قد تقابل شابًا لم يعش من السنوات إلا قليلًا، لكنه يتحدث بحكمة من عاشوا تجارب طويلة؛ وهنا يفرض السؤال نفسه: ما النضج؟ هل هو عدد السنوات التي نعيشها؟ أم عدد التجارب التي مررنا بها؟ أم أنه شيء آخر تمامًا؟
كثيرون يخلطون بين النضج والتشاؤم، وكأن الإنسان كلما ازداد فهمًا للحياة، فقد قدرته على الفرح، وأصبح أكثر ميلًا إلى الصمت والريبة والانغلاق. وكثيرون يخلطون بين البراءة والسذاجة، فيظنون أن نقاء القلب يعني غياب العقل، وأن حسن الظن يعني انعدام الحكمة.
لكن الحقيقة أن النضج لا يشبه أيًا من هذين التصورين، فالإنسان الناضج لا يفقد براءته، بل يفقد أوهامه. ولا يتخلى عن طيبة قلبه بل يتعلم أين يضعها. ولا يكف عن الثقة بالناس لكنه يتوقف عن منح ثقته بلا تمييز. إنه لا يرى العالم أكثر سوادًا، بل يراه كما هو؛ فيه الخير والشر، والوفاء والخيانة، والصدق والكذب، والرحمة والقسوة.
لقد تعلم أن الحياة لا تُدار بالأماني وحدها، ولا بالخوف وحده، بل بالتوازن بين القلب والعقل. ولهذا فإن النضج لا يقتل العاطفة وإنما يهذبها؛ ولا يلغي التسامح وإنما يمنحه حدودًا تحفظ الكرامة. ولا يطفئ الحماس وإنما يحرره من الاندفاع. فالطفل يصدق كل شيء، والمتشائم يكذب كل شيء. أما الناضج فلا يفعل هذا ولا ذاك بل يبحث عن الحقيقة قبل أن يصدر حكمه.
وهنا يكمن الفرق بين النضج والتشوه؛ فليس كل من فقد ثقته بالناس أصبح حكيمًا، وليس كل من اعتزل الحياة صار أكثر فهمًا لها. فقد تجرح التجارب إنسانًا فتجعله أكثر قسوة وشكًّا ورغبة في الانتقام. وهذا ليس نضجًا … إنه تشوه صنعته الجراح حين تُركت بلا علاج.
أما النضج الحقيقي فهو أن تمر بالتجربة نفسها فتخرج منها أكثر فهمًا لا أكثر قسوة، وأكثر وعيًا لا أكثر غرورًا، وأكثر رحمة لا أكثر ضعفًا. ولهذا لا يقاس النضج بما فقدناه من مشاعر بل بما اكتسبناه من بصيرة.
إن الحكمة ليست أن تنطفئ في داخلك المشاعر بل أن تتعلم كيف تقودها؛ فلا تصبح عبدًا لغضبك ولا أسيرًا لخوفك ولا رهينة لرغباتك. فالإنسان الناضج لا يعيش بردود الأفعال وإنما يعيش وفق المبادئ. وحين تتعارض المصلحة مع القيمة يدرك أن ما يخسره اليوم قد يكون ثمنًا لما يحافظ عليه غدًا.
ولهذا كان النضج هو القدرة على حماية القيم حتى عندما تصبح مكلفة. إنه ليس صلابة الحجر بل مرونة الغصن الذي ينحني للعاصفة دون أن ينكسر؛ وليس كثرة الكلام بل معرفة متى نتكلم ومتى نصمت؛ وليس الانتصار في كل معركة بل اختيار المعارك التي تستحق أن تُخاض.
وربما لهذا لا يصبح الإنسان ناضجًا حين يعرف كل الإجابات وإنما حين يتعلم أن بعض الأسئلة لا تُجاب بالكلمات بل بالحياة نفسها.. وعندها فقط يكتشف أن أجمل ما يمكن أن يحتفظ به من الأمس هو براءته وأثمن ما يحمله من اليوم هو خبرته وأعظم ما يصنع به غده هو أمله.
فالحياة لا تطلب منا أن نختار بين هذه الثلاثة بل أن نجمعها في إنسان واحد؛ إنسان يحتفظ بقلب طفل وعقل حكيم وروح لا تزال تؤمن بأن الغد يستحق أن يُعاش.
فبراءة الأمس وخبرة اليوم وأمل الغد ليست مراحل متعاقبة.. بل إن اجتماعها هو النضج الحقيقي.

