أكدت ولاء عبدالمرضي، الباحثة في الشؤون الإسرائيلية الحديثة والمعاصرة، أن اعتراف كولومبيا بما وصفته بـ”السيادة الإسرائيلية” على الجولان السوري المحتل يُعد تطورًا سياسيًا ودبلوماسيًا بالغ الأهمية. ويأتي ذلك ليس فقط لأن كولومبيا عضو في الأمم المتحدة، بل لأنه يكشف عن المساعي الكبيرة التي تبذلها إسرائيل لتوسيع دائرة الاعتراف بها على المستوى الدولي.
تحول جذري في السياسة الخارجية لبوغوتا
وأوضحت عبدالمرضي في تصريح لها أن الخطوة الكولومبية جاءت في إطار تحول جذري في السياسة الخارجية لبوغوتا عقب تولي الرئيس أبيلاردو دي لا إسبرييلا السلطة. حيث أعلنت حكومته عن استعادة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل، بالإضافة إلى التوجه لنقل السفارة الكولومبية إلى القدس. كما أُعلن عن الانسحاب من التدخل في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، مما يكشف عن اتجاهات كولومبيا تجاه إسرائيل.
الدلالة السياسية للقرار
وأضافت أن أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في أثره القانوني المباشر، بل تكمن أيضًا في دلالته السياسية؛ فالجولان يظل وفق الإطار القانوني الدولي أرضًا سورية محتلة، ولا تستطيع أي دولة تغيير وضعها القانوني بمجرد إعلان اعتراف سياسي. ويظل قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981 أحد أهم المرتكزات القانونية في هذا السياق، إذ اعتبر فرض إسرائيل قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان المحتل لاغيًا وباطلًا ومن دون أثر قانوني دولي.
وأكدت عبدالمرضي أن إسرائيل ترى في الجولان أكثر من مجرد مساحة جغرافية؛ فهو يمثل بالنسبة للعقيدة الأمنية الإسرائيلية عمقًا استراتيجيًا وموقعًا مهمًا في الحسابات الأمنية المتعلقة بالجبهة الشمالية. ولذلك فإن تعزيز الاعتراف الدولي بالسيادة الإسرائيلية عليه يخدم هدفًا إسرائيليًا أوسع يتمثل في تثبيت السيطرة على الأراضي التي احتلتها عام 1967 وتحويل السيطرة العسكرية والسياسية إلى شرعية دولية تدريجية.
اختراق دبلوماسي مهم في أميركا اللاتينية
تشير ولاء عبدالمرضي إلى أن رد الفعل الإسرائيلي على هذا القرار يعكس هذه القراءة؛ فقد رحب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بهذه الخطوة واعتبروها اختراقًا دبلوماسيًا مهمًا في أميركا اللاتينية.
على الجانب الآخر، جاء الرفض السوري حيث أدانت سوريا هذا الاعتراف، كما رفضته العديد من الدول العربية معتبرةً أنه يتعارض مع القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية. وقد أثار القرار انتقادات إقليمية واسعة، بما فيها الموقف المصري الذي يؤكد بشكل ثابت احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض تكريس الاحتلال أو فرض الأمر الواقع بالقوة.
تحذر ولاء عبدالمرضي من أن هذا المنطق لا يتوقف عند حدود الجولان؛ إذ إن تطبيع فكرة ضم الأراضي المحتلة أو الاعتراف بها كجزء من دولة الاحتلال يفتح ملفًا سياسيًا قد تمتد تداعياته إلى ملفات عربية أخرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية. فالقضية لا تتعلق بالجولان فقط، وإنما بمستقبل القانون الدولي الذي يرفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة ويربط تحقيق السلام بتسويات سياسية وقانونية معترف بها دوليًا.
وترى ولاء عبدالمرضي أن موقف كولومبيا يستوجب التعامل معه كمؤشر على معركة دبلوماسية وقانونية موازية للمعارك العسكرية في المنطقة؛ فإسرائيل لا تعمل فقط على تثبيت السيطرة الميدانية، وإنما تسعى أيضًا لإعادة تشكيل البيئة الدولية المحيطة بهذه السيطرة بحيث تتحول الوقائع التي فرضتها بالقوة إلى حقائق سياسية تُعترف بها تدريجيًا.
وتختم ولاء عبدالمرضي بالقول إن الرهان الإسرائيلي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط على زيادة عدد الدول التي تعترف بالجولان وفلسطين، بل سيكون أيضًا على إعادة صياغة مفهوم الشرعية الدولية نفسه من خلال ربط الاحتلال بالأمن ومواجهة التهديدات الإقليمية. وفي النهاية هو اعتراف من لا يملك لمن لا يستحق.

