يمكن وصف موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد تطورات العمليات العسكرية الأخيرة ضد إيران بأنه بمثابة سائق لعربة طائشة لا يمكن لأحد إيقافها أو تخفيف تأثيراتها المدمرة. وبعيدًا عن الآثار المترتبة على العمليات في إيران، والتي تؤثر بشكل كبير على المنطقة، يثير الأمر تساؤلات حول سبب ترك العالم لترامب يمضي في طريقه دون تدخل، خاصة في ظل الآثار السلبية التي قد تلحق بالنظام العالمي اقتصاديًا وسياسيًا.
قد يُفهم هذا الوضع من قبل البعض على أنه فرصة للقوى المنافسة لواشنطن لاستغلال حالة الضعف التي قد تصيب القوة العظمى الأولى في العالم. ومع ذلك، فإن التداعيات المحتملة للحرب قد تستدعي وقفة للتفكير في حكمة القرارات التي يتخذها الجالس على كرسي الحكم في البيت الأبيض. فمن الغريب أنه بعد نحو خمسة أشهر من الحرب، ما زال ترامب يروج لأكاذيبه حول سعي إيران للمفاوضات، مما يجعلها تبدو وكأنها في وضع الاستسلام. ورغم تأكيداته المتكررة بأنه يضرب إيران بقوة غير مسبوقة، فإن الأخيرة تواصل صمودها ومقاومتها، مستندة إلى أوراق ضغط متعددة تؤلم خصومها وتؤثر على النظام الإقليمي، مع احتمالات أن تمتد آثار ذلك إلى النظام العالمي.
لقد أسفر التصعيد الأخير الذي أطلقه ترامب عن إعادة إغلاق مضيق هرمز بعد فترة من استئناف حركة تصدير النفط منه، مما أثر بشكل ملحوظ على أسعار النفط. ومن المتوقع أن يؤدي استمرار إغلاق المضيق إلى تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي ويعيدنا إلى مرحلة الأزمة الاقتصادية الكبرى.
في ظل إصرار ترامب على التصعيد، يبدو أن إيران تعيد التفكير في استخدام أوراقها لمواجهة هذا التصعيد. وهنا يبرز خطر جديد يتمثل في احتمال إغلاق حركة الملاحة عبر مضيق باب المندب. وقد بدأ الأمر بإعلان الحوثيين عن تهديدهم بتنفيذ هذا الإجراء ضد السفن السعودية ردًا على ما يعتبرونه حصارًا سعوديًا لموانئهم ومطاراتهم.
مع الأخذ بعين الاعتبار سهولة خلط الأوراق من قبل أي طرف من أطراف النزاع، فإن المبررات متوفرة والاحتمالات للصدام مرتفعة، مما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية بسبب إغلاق مضيقى هرمز وباب المندب.
لا تقتصر تأثيرات الإغلاق على توجيه حركة الملاحة بعيدًا عن البحر الأحمر نحو رأس الرجاء الصالح فحسب، بل تمتد أيضًا لتوسيع رقعة النزاع؛ حيث ستتحول منطقة باب المندب إلى منطقة عمليات عسكرية كما ألمح ترامب عند رفضه لموقف الحوثيين مشيرًا إلى أن واشنطن كانت قد أوقفتهم سابقًا عن مثل هذا السلوك. وإذا اعتبرنا العمليات الإيرانية ضد ما تعتبره قواعد أمريكية في دول الخليج والأردن، يتضح لنا مدى خطورة توسيع نطاق الصراع الذي سيكون الجانب العربي هو الخاسر الأساسي فيه إن لم يكن الوحيد.
إذا كانت الدعوات لوقف ترامب تنطلق من منظور مثالي، وإذا كانت آليات السياسة الداخلية الأمريكية عاجزة عن الحد من تصرفاته بعد تحايله عليها، فإن تاريخ العالم شهد نماذج مشابهة تعكس سلوكيات ترامب؛ ربما كان آخرها هو هتلر الذي قاد العالم نحو دمار وخراب لا يزال أثره قائمًا حتى بعد عقود.

