يخطئ البعض في فهم معنى التوكل على الله، حيث يظنون أنه يعني التخلي عن الأسباب، أو أن الثقة بالله تعفيهم من التخطيط والإعداد. في حال قصر أحدهم في واجباته أو أهمل سبل النجاح، قد يعلل إخفاقه بأنه متوكل على الله، وهو فهم يتعارض مع تعاليم الإسلام وسيرة النبي ﷺ.
تأتي الهجرة النبوية لتؤكد قاعدة أساسية في الدين، وهي أن التوكل الحقيقي لا يتحقق إلا مع بذل الجهد في اتخاذ الأسباب المشروعة. فالنبي ﷺ، وهو سيد المتوكلين، لم يكتفِ بالاعتماد على معونة الله ونصره رغم يقينه الكامل بذلك، بل اتخذ خطوات مدروسة قد تعجز عنها الكثير من الناس. فقد اختار الوقت المناسب للخروج ليلاً بعيدًا عن أعين قريش، ورافقه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن يبيت في فراشه ليخدع أعداءه. كما استأجر دليلاً ماهرًا يعرف طرق الصحراء وهو عبد الله بن أريقط، واختبأ في غار ثور لمدة ثلاثة أيام حتى تخف حدة المطاردة. وكان عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنه يأتيه بالأخبار بينما تحمل أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها الطعام إليهما، ويقوم عامر بن فهيرة برعي الغنم ليمحو آثار الأقدام.
هذه التدابير المحكمة اتخذها رسول الله ﷺ وهو يعلم أن الله ناصره وحافظه. لو كان مجرد التوكل يغني عن الإعداد لكان النبي ﷺ أولى الناس بترك هذه الأسباب، لكنه لم يفعل ليعلم الأمة أن سنن الله في الكون لا تتخلف. لقد جمع النبي ﷺ بين الثقة المطلقة بالله والأخذ بالأسباب.
عندما وصل المشركون إلى باب الغار، قال أبو بكر رضي الله عنه: «لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا»، فرد النبي ﷺ قائلاً: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما». متفق عليه.
التوكل المزعوم دون أسباب ليس من الدين
إن الأسباب وحدها لا تنجح إلا بإذن الله، كما أن التوكل المزعوم دون اتخاذ الأسباب ليس من الدين في شيء. وقد أكد القرآن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾ [الأنفال: 60] حيث أمر بالإعداد قبل أن يأمر بالتوكل بقوله: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ [المائدة: 23]. فلا تعارض بين الأمرين؛ بل يكمل أحدهما الآخر.
فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وترك ناقته دون ربطها وقال: أأتوكل على الله؟ فأجابه النبي ﷺ: «اعقلها وتوكل». [رواه الترمذي]. إن الأخذ بالأسباب هو جزء أساسي من التوكل، بينما ترك الأسباب مع القدرة عليها يعد تواكلاً مذمومًا وليس توكلاً مشروعًا.
الطالب الذي لا يذاكر ثم ينتظر النجاح ليس متوكلاً. والتاجر الذي لا يحسن إدارة تجارته ثم ينتظر الربح ليس متوكلاً. والداعية الذي لا يعد نفسه علميًا وفكريًا ثم يتوقع التأثير في الناس ليس متوكلاً؛ بل إن التوكل الصحيح هو بذل أقصى ما يمكن من الأسباب المشروعة ثم التفويض إلى الله.
لقد كانت الهجرة النبوية إعلانًا عمليًا بأن النصر لا يتحقق بالأماني وأن الإنجازات تتحقق بالثقة بالله مع التخطيط الجيد؛ لذا فإن الأمة اليوم بحاجة ماسة لاستعادة هذا الفقه النبوي لتربية أبنائنا على أهمية الإعداد ومواجهة التحديات بالعلم والعمل قبل أن نتوكل على الله رب العالمين.
بقلم الدكتور هشام السيد الجنايني
الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية.

