إذا كنت في العشرين من عمرك، فربما تجد نفسك تواجه خطر الموت في “التسعين”، حيث يعتمد الأمر على حظك ورشاقتك. ليست هذه مجرد نكتة أو فزورة، بل هي حقيقة مؤلمة يعرفها كل من يحاول عبور أحد أهم الشوارع في التجمع الخامس سيرًا على الأقدام.

مهما كانت مهاراتك في العدو والوثب والمراوغة، فإنك ستشعر وكأنك ريشة في مهب الريح عند محاولتك عبور الشارع. لا يوجد ضمان لعبور آمن إلى الضفة الأخرى. لماذا؟
لأنه ببساطة لا توجد قواعد مرور واضحة يحترمها الجميع. يبدو وكأنه يوجد اتفاق ضمني غير معلن بين سائقي المركبات و”الطيارين” وكتائب المشاة على التعايش مع الفوضى، في لعبة تشبه الروليت الروسي. فلا إشارات ضوئية كافية، ولا نقاط عبور واضحة للمشاة، ولا حتى أرصفة يمكن أن يسير عليها المارة مطمئنين، ولا محطات حافلات لائقة.

يوجد فقط أربع إشارات مرورية على امتداد الجسر الاستراتيجي الذي يربط بين القاهرة والعاصمة الإدارية، والذي يستخدمه مئات الآلاف أسبوعيًا. من بين هذه الإشارات، اثنتان فقط مخصصة لعبور المشاة، لكن قادة المركبات لا يعترفون بهما.

أما في محيط الشارع، فتسود الفوضى حيث لا يوجد موقف شرعي واحد لانتظار السيارات. تجد العجب كل يوم؛ إذ تقف السيارات في صفوف مزدحمة في مناطق مكتظة بالمستشفيات والمطاعم والبنوك والشركات، وكأن روادها هبطوا من السماء ثم يعودون إليها.

في الصباح، تدور المعارك على مختلف جبهات الشارع بين المركبات والدراجات النارية والمشاة ورجال المرور المتواجدين. وفي المساء، يرفع المشاة الراية البيضاء ويستخدمون كشافات شاشات هواتفهم المحمولة لعبور الطريق بأمان.

كل هذا يحدث في شارع “طول بعرض” بالمعنى المجازي والحرفي. فهو أحد أكثر شوارع القاهرة اتساعًا، إذ يبلغ عرضه 90 مترًا (سر الاسم) وطوله 23 كيلومترًا.

وعلى جانبيه تتواجد مؤسسات تجارية ومالية وأحزاب سياسية وجامعات وبنوك ومستشفيات وعيادات ومراكز سكنية فاخرة ومراكز تجارية كبرى بقيمة تقدر بنحو تريليوني جنيه، ناهيك عن مونوريل ينطلق فوقه بتكلفة تبلغ 4.5 مليار دولار.

كان من المفترض أن تجعل هذه المواصفات غير العادية من الطريق نموذجًا عالميًا يعكس التطور الهائل للبنية التحتية في مصر. ولكن بسبب سوء التخطيط، صار شارع التسعين بمثابة النصب التذكاري للعشوائية.
وفي حالته الحالية، ليس هو الوحيد من نوعه بل يمثل ظاهرة عامة تُظهر فيها المشاة دور الكومبارس بشوارع صُممت أساسًا للمركبات بينما الأرصفة مخصصة للإعلانات والانضباط المروري غائب تمامًا.

تُعتبر هذه مشكلة خطيرة تتفاقم مع الإنجازات الكبيرة التي تحققها الدولة في شبكة الطرق. فكلما اتسعت هذه الطرق زادت المخاطر لأعداد هائلة من الأشخاص الذين تضطرهم ظروف الحياة لقضاء معظم يومهم خارج بيوتهم، مما يجعلهم بحاجة ماسة إلى بيئة آمنة وحلول عاجلة تحد من حوادث الطرق التي تسببت عام 2025 في إصابة نحو 85 ألف شخص ووفاة 5829 وفق تقرير أصدره الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

بعض الحلول تتطلب رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وفق المواصفات الدولية وتحويل مناطق معينة إلى شوارع صديقة للمشاة وزيادة المتابعة المرورية ورفع الوعي العام حتى لا يصبح عبور الشوارع التي شقتها الدولة لتيسير حياة الناس مغامرة خطيرة قد تودي بحياة البعض.
[email protected].