تتجه الدول الأوروبية في حلف شمال الأطلسى (الناتو) إلى إطلاق مرحلة جديدة من التعاون الدفاعي، عبر مشروع لتطوير صواريخ بعيدة المدى. تأتي هذه الخطوة كجزء من مساعي القارة لبناء قدرات عسكرية أكثر استقلالًا وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، في ظل التحولات التي تشهدها السياسة الدفاعية الأمريكية والضغوط المتزايدة على الحلفاء الأوروبيين لتحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة.
وبحسب صحيفة «التليجراف» البريطانية، تقود المملكة المتحدة مشروعًا يحمل اسم «تحالف الضربات الدقيقة العميقة»، والذي سيتم الإعلان عنه خلال قمة الناتو المنعقدة في العاصمة التركية أنقرة. يُعتبر هذا المشروع أول تحرك عملي لبناء ركيزة دفاعية أوروبية أكثر استقلالًا داخل الحلف، خاصة مع تزايد المخاوف من تراجع الالتزام العسكري الأمريكي في أوروبا.
يأتي المشروع بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلغاء خطة أقرها الرئيس السابق جو بايدن لنشر كتيبة مزودة بصواريخ «توماهوك» المجنحة في ألمانيا، والتي كانت تهدف إلى توفير قدرة أوروبية مؤقتة لتنفيذ ضربات بعيدة المدى، إلى حين تطوير بدائل أوروبية.
يضم التحالف الجديد إلى جانب بريطانيا كلًا من ألمانيا وفرنسا وهولندا وأوكرانيا، فيما لا تزال المواصفات النهائية للصاروخ قيد الدراسة. تشير التقديرات إلى أن المشروع يستهدف إنتاج منظومة قادرة على تنفيذ «الضربات الدقيقة العميقة»، أي إصابة أهداف تقع على مسافات تتراوح بين ألف وثلاثة آلاف كيلومتر، مما يسمح باستهداف قواعد إطلاق الصواريخ والطائرات، بالإضافة إلى المنشآت العسكرية والبنية التحتية الاستراتيجية للخصوم.
من المتوقع أن تلعب بريطانيا وألمانيا الدور الأكبر في تنفيذ المشروع، مستفيدتين من برنامج مشترك قائم بالفعل لتطوير صاروخ أرضي يزيد مداه عن ألفي كيلومتر. كما يشارك البلدان في مبادرة أوروبية أخرى تعرف باسم «المقاربة الأوروبية للضربات بعيدة المدى»، والتي تضم أيضًا فرنسا وإيطاليا وبولندا والسويد، وتركز على تطوير مجموعة متنوعة من الصواريخ بعيدة المدى.
ولا يقتصر التحرك الأوروبي على هذا المشروع فقط، إذ يتم العمل بالتوازي على إنشاء منظومة دفاع جوي أوروبية مستقلة، إضافة إلى تطوير شبكة أقمار صناعية مخصصة للاستطلاع والاستخبارات، ضمن خطة أوسع تهدف إلى تقليل الاعتماد على الأنظمة العسكرية الأمريكية.
قبل انعقاد القمة، حذرت الحكومة البريطانية من تصاعد التهديدات الروسية، مشيرة إلى تكرار انتهاكات المجالين الجوي والبحري لدول الناتو خلال العامين الماضيين. وأكدت أن رئيس الوزراء السير كير ستارمر سيشدد خلال القمة على التزام بلاده ببناء «أوروبا أقوى داخل الناتو»، معتبرًا أن أمن القارة واستقرارها يتطلبان تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة.
في المقابل، كشفت مصادر أمريكية أن إدارة ترامب أبلغت مسؤولين بريطانيين بأنها تتوقع استمرار رفع الإنفاق الدفاعي البريطاني بغض النظر عن هوية رئيس الوزراء المقبل. وأكدت أن هذا التوجه سيظل قائمًا حتى في حال وصول حكومة جديدة بقيادة آندي بورنهام، مع استمرار جوناثان باول في منصبه مستشارًا للأمن القومي لضمان استمرارية السياسات الأمنية.
ورغم الزخم السياسي الذي يحظى به المشروع، فإن مصادر مطلعة حذرت من أن تطوير صاروخ أوروبي بعيد المدى سيستغرق سنوات، مما يعني استمرار الحاجة إلى المظلة العسكرية الأمريكية خلال المرحلة الانتقالية.
تتزامن هذه التطورات مع ضغوط أمريكية متزايدة على الحلفاء الأوروبيين وكندا لرفع الإنفاق العسكري. بينما تدرس وزارة الدفاع الأمريكية إعادة توزيع قواتها للتركيز بصورة أكبر على منطقة المحيطين الهندي والهادئ. دعا الأمين العام للناتو مارك روته جميع الدول الأعضاء إلى تقديم خطط دفاعية واضحة وذات مصداقية.
وتواجه أوروبا في الوقت نفسه أزمة متزايدة في الحصول على الأسلحة الأمريكية، بعدما أرجأت واشنطن أو ألغت تسليم عدد من الشحنات الرئيسية مثل صواريخ «توماهوك»، ومنظومات «هيمارس»، وصواريخ «باتريوت PAC-3». تشير تقديرات إلى أن الولايات المتحدة استهلكت نحو نصف مخزونها من صواريخ باتريوت حتى أبريل الماضي خلال عملياتها العسكرية ضد إيران، مما أثر على قدرتها في تلبية طلبات الحلفاء.
يسود استياء داخل عدد من العواصم الأوروبية بسبب تغير أولويات واشنطن في توزيع الأسلحة. نقلت صحيفة «الجارديان» عن دبلوماسي أوروبي قوله إن الحربين في إيران وأوكرانيا، بالإضافة إلى تحويل جزء من الموارد العسكرية الأمريكية إلى آسيا ومنح الأولوية لإمداد إسرائيل بالصواريخ الاعتراضية، جعل أوروبا تتراجع في قائمة المستفيدين من الإنتاج العسكري الأمريكي.
ورغم إعلان واشنطن العمل على مشاريع للإنتاج المشترك مع الدول الأوروبية عبر إنشاء مصانع وخطوط إنتاج جديدة، يرى دبلوماسيون أوروبيون أن هذه الخطط لن تحقق نتائج ملموسة قبل خمس إلى عشر سنوات. وهذا يترك فجوة زمنية قد تواجه خلالها أوروبا تحديات كبيرة في تأمين احتياجاتها العسكرية.
تشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن نحو 20 دولة تنتظر الحصول على صواريخ باتريوت. بينما قد تحتاج الولايات المتحدة نحو 42 شهرًا لإعادة تكوين مخزونها. يرى فيل جوردون، مستشار الأمن القومي السابق لنائبة الرئيس الأمريكي السابقة كامالا هاريس، أن محدودية المخزونات فرضت منافسة بين الحلفاء. مؤكدًا أن الدرس الأبرز بالنسبة لأوروبا هو ضرورة بناء قاعدة صناعية دفاعية مستقلة تقلل اعتمادها على الولايات المتحدة في المستقبل.

