أن تنتهى الحرب، تلك جائزة كبرى يتشاركها الطرفان معاً، جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة الأمريكية، وإن دحرجت «إسلام آباد» إسرائيل إلى موقع الهزيمة، أمام ما بدا حزب الله فى الإطار العام، كما لو أنه انتصر لبلده «لبنان»، ولثبات رؤيته باليقين، وهو يرفض مفاوضات «واشنطن» المباشرة، بين الحكومة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية.. يبقى ما ذهبت إليه مذكرة التفاهم، وما تنقله فى «إسلام آباد» إلى الوضع النهائى، حالة من الارتياح الحذر، لـ60 يوماً من النقاشات والمراقبة المتبادلة، حيال التزام كل طرف بتعهداته، وما تنظرها المنطقة وينظرها العالم، لأن تكون نهاية أبدية للصراع، واستئناف لشواهد الاستقرار..وبالضرورة روح الاقتصاد والسلام.

وما غير التحركات الدبلوماسية، ومكوكية الوفود والنقاشات، هناك فى كواليس كل قطر، تجرى تصفيات واسعة، لحصر المكسب والخسارة، فى مواجهات الـ70 يوماً تقريباً، وتكون عادة، محل أسئلة واستجوابات، تتحدث بها المؤسسات المعنية فى بلدى الحرب، الغالب منها لن يكون متاحاً فى الحال، لكن ما يمكن الكلام عنه، ما هو واقع على الأرض، ما نبدؤه بتنازل الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، فى اللحظة التى سبقت اعتماد مذكرة «إسلام آباد»، وألغى الحصار البحرى على الموانئ الإيرانية، رغم ما كان مقيداً لـ30 يوماً، عندما هدد رئيس المفاوضين الإيرانيين، محمد قاليباف، بوقف التفاوض، بسبب حماقة إسرائيل، وقصفها الضاحية الجنوبية فى لبنان.

بالنظر لاتفاق «إسلام أباد»، سواء فى باكستان أو سويسرا، حتى لو أتى بغير ما كان يرغب به العالم جملة واحدة، ما يتعلق بالبرنامج النووى، واليورانيوم المخصب، والصواريخ البالستية، إلى إشكالية دعم حزب الله.. إلخ، ربما كشف عن أن المفهوم التقليدى للنصر أو الهزيمة، لم يعد مطلقاً وقياسياً فى الصراعات الحديثة، بقدر ما بات نسبياً إلى حد ما، ما بين مكاسب تعزز أهداف كل طرف، وخسائر قد تخصم من قدراته على تحقيق أعلى الطموحات، وفى الشأن، إيران مثلاً، حققت جملة مكاسب، سياسية واقتصادية واستراتيجية واسعة، عززت من مكانتها الإقليمية، واعتبارها قوة توازن فى المنطقة، صمدت أمام الضغوط والعقوبات والتهديدات العسكرية، وما واجهته من عدوان.

ودون الخسائر البشرية والقيادية، وما دمرته الحرب الأمريكية- الإسرائيلية، من أعيان وبنى تحتية، تجنى إيران من الاتفاق، امتيازات تخفيف العقوبات، وتحرير الأموال المجمدة حول العالم، وفرص التعاون وتبادل الاستثمار فى قطاع النفط والطاقة، والأكثر من ذلك، إقرار السيادة المطلقة على مضيق «هرمز» الاستراتيجى، بالتفاهم مع سلطنة عمان، ما أتاح لها أن تحافظ على قدرات عسكرية، تمكنها من توسيع نفوذها الإقليمى، مستندة إلى سياسة ردع قوية، عملت عليها لسنوات، انتهت إلى فرض معادلات جديدة، وإعادة ترتيب موازين القوى فى المنطقة، ودون ذلك، تثبيت شرعية المقاومة، وكسر إرادة الكيان الصهيونى، وتقييده بـ«الهزيمة» والانسحاب من الجنوب اللبنانى.

ما يتعلق بالمكاسب الأمريكية أو خسائرها، لا تتيح «واشنطن» معلومات دقيقة عن الخسائر بالذات، كما الحال مع إسرائيل، استكباراً وغطرسة أو لتجنب الحرج والاحتجاجات الداخلية، ومع ذلك ما يسجله واقع الميادين، أن البلدين أمكنهما توجيه رسائل ردع إلى إيران وحلفائها، وكما بدا من تعزيز التنسيق العسكرى والأمنى، ومع نجاح قدرة كل منهما، العسكرية والاستخباراتية، فى إدارة الحرب واحتواء تأثيراتها، لم تتمكنا من تغيير النظام أو السلوك، ولا حتى تقليص النفوذ الإيرانى، ما يعد فشلاً واسعاً، كلفتة أكثر ضرراً من الكلفة الاقتصادية، وقد تجاوزت- حسب تقديرات خبراء- الـ100 مليار دولار فى «واشنطن»، و50 ملياراً فى «تل أبيب».. والأكثر من ذلك، سوف تكشف عنه تداعيات الأيام القريبة.

[email protected].