أصدرت المحكمة العليا الأمريكية، اليوم الثلاثاء، قرارًا يقضي بإلغاء الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والذي كان يهدف إلى إنهاء حق المواطنة بالولادة لفئات معينة من الأطفال المولودين على الأراضي الأمريكية.

وأكدت المحكمة أن الأمر التنفيذي الذي وقعه ترامب يتعارض مع أحكام التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي، والذي ينص على أن جميع الأشخاص المولودين أو المجنسين في الولايات المتحدة والخاضعين لولايتها القضائية هم مواطنون أمريكيون.

وأوضحت المحكمة أنه بناءً على ذلك، ترفض محاولة الإدارة الأمريكية حرمان الأطفال المولودين لآباء يقيمون في الولايات المتحدة بصورة غير قانونية أو بشكل مؤقت من الحصول على الجنسية الأمريكية تلقائيًا.

وبحسب وكالة أسوشيتد برس، استند القضاة في حيثيات الحكم إلى التفسير التاريخي المستقر للتعديل الرابع عشر، الذي أقر عقب الحرب الأهلية الأمريكية، إضافة إلى عدد من القوانين الفيدرالية والأحكام القضائية التي رسخت مبدأ المواطنة بالولادة باعتباره أحد الأعمدة الأساسية للنظام الدستوري الأمريكي.

وأشارت المحكمة إلى أن هذا الحق لا يجوز تقييده بأوامر تنفيذية، وأن أي تغيير في هذا الإطار يتطلب تعديلًا دستوريًا أو تشريعًا يتوافق مع أحكام الدستور.

ووفقًا للوكالة الأمريكية، كانت القيود التي سعى ترامب إلى فرضها قد واجهت رفضًا واسعًا من المحاكم الفيدرالية الأدنى درجة، التي أوقفت تنفيذ الأمر التنفيذي قبل دخوله حيز التطبيق، وهو ما حال دون تنفيذه في أي ولاية أمريكية طوال فترة التقاضي.

وخلال جلسات المرافعة التي عقدتها المحكمة في شهر أبريل الماضي، أبدى عدد من القضاة، سواء من المحافظين أو الليبراليين، شكوكًا واضحة بشأن الأساس الدستوري الذي استند إليه القرار التنفيذي
وفي أول ردود الفعل على الحكم، رحب ديريك جونسون، رئيس الرابطة الوطنية للنهوض بالملونين، بالقرار معتبرًا أنه يمثل انتصارًا للدستور الأمريكي وللمبادئ التي قامت عليها البلاد.

وقال إن الحكم “يؤكد بقوة الالتزام بالدستور والوعد الدائم بالمساواة” مشيرًا إلى أن التعديل الرابع عشر ضمن على مدار أكثر من 150 عامًا حق المواطنة لكل من يولد داخل الولايات المتحدة وأن المحكمة رفضت محاولات تقويض هذا الحق الأساسي مؤكدة تمسكها بأحد أهم المبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية الأمريكية.

من جانبه، شدد رئيس المحكمة العليا جون روبرتس في حيثيات الحكم على الأهمية التاريخية لمفهوم المواطنة مستشهدًا بالنقاشات التي شهدها الكونجرس عند إقرار التعديل الرابع عشر.

وقال روبرتس إن “المواطنة كانت ولا تزال تعني الحق في التمتع بالحقوق والمشاركة الحرة في المجتمع السياسي” مؤكدًا أن واضعي التعديل الدستوري حرصوا على توسيع هذا الحق ليشمل كل شخص يولد حرًا على الأراضي الأمريكية وأن المحكمة تفي اليوم بذلك الوعد الدستوري.

وكان ترامب قد سعى منذ عودته إلى البيت الأبيض لولاية رئاسية ثانية في يناير 2025 لإنهاء العمل بمبدأ المواطنة بالولادة حيث وقع في أول أيام ولايته أمرًا تنفيذيًا يقضي بعدم منح الجنسية الأمريكية تلقائيًا للأطفال المولودين لآباء يقيمون في البلاد بصورة غير قانونية أو يحملون تأشيرات إقامة مؤقتة بما في ذلك الطلاب والأشخاص الموجودون لأغراض مؤقتة
وأثار القرار منذ صدوره موجة واسعة من الاعتراضات القانونية والسياسية إذ اعتبرته ولايات أمريكية ومنظمات حقوقية وعدد من القضاة مخالفًا للدستور الأمريكي ولأحد المبادئ التاريخية التي تأسست عليها الولايات المتحدة.

وعلى إثر ذلك تقدمت 22 ولاية إلى جانب منظمات مدنية وعدد من الأمهات الحوامل بدعاوى قضائية للطعن في الأمر التنفيذي ووقف تنفيذه
وكان ترامب يدافع عن قراره بالقول إن أبناء المهاجرين المقيمين بصورة غير قانونية أو الزائرين المؤقتين لا يخضعون للولاية القضائية الكاملة للولايات المتحدة وبالتالي لا يحق لهم الحصول على الجنسية الأمريكية.

كما استند إلى تفسير مفاده أن التعديل الرابع عشر كان يهدف أساسا إلى حماية حقوق الأمريكيين السود الذين كانوا يعانون من آثار العبودية بعد الحرب الأهلية وهو تفسير رفضته المحكمة العليا مؤكدة أن النص الدستوري وتطبيقاته القضائية المستقرة تشمل جميع المولودين داخل الولايات المتحدة وفق الضوابط الدستورية المعمول بها.

ويُتوقع أن يشكل هذا الحكم محطة مفصلية في الجدل الدائر حول سياسات الهجرة والجنسية في الولايات المتحدة كما يعزز مكانة التعديل الرابع عشر باعتباره أحد أهم الضمانات الدستورية لحماية الحقوق المدنية ويغلق الباب حاليًا أمام أي محاولات لتقييد حق المواطنة بالولادة عبر الأوامر التنفيذية.