لا يمكن لأي دولة تسعى إلى ترسيخ الديمقراطية وبناء مؤسسات قوية أن تكتفي بتحقيق الإنجازات الاقتصادية أو العمرانية، فالتنمية الحقيقية لا تنفصل عن التنمية السياسية، ولا يكتمل بناء الدولة الحديثة إلا بوجود حياة حزبية نشطة ومؤسسات منتخبة تمثل المواطنين وتؤدي دورها في الرقابة والمساءلة وصنع السياسات العامة. ومن هنا تأتي أهمية توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بشأن تنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، والانتهاء من الاستعدادات اللازمة لإجراء انتخابات المجالس المحلية، باعتبارها خطوة محورية في استكمال البناء المؤسسي للجمهورية الجديدة.

إن تنشيط الحياة الحزبية ليس هدفًا في حد ذاته، بل وسيلة لإنتاج نخب سياسية قادرة على التعبير عن المجتمع، وصياغة رؤى وبرامج واقعية، وتقديم حلول حقيقية للتحديات التي تواجه المواطنين. فالحزب السياسي الذي لا يمتلك حضورًا في الشارع، ولا يتفاعل مع قضايا الناس، ولا يستثمر في إعداد كوادره، يظل بعيدًا عن أداء رسالته الأساسية.

لذلك، فإن المرحلة المقبلة تفرض على الأحزاب السياسية مراجعة أدواتها وآليات عملها، والانتقال من النشاط الموسمي المرتبط بالانتخابات إلى العمل المجتمعي المستمر عبر التواصل مع المواطنين والاستماع إلى مشكلاتهم. يجب إعداد قيادات شابة تمتلك الكفاءة والخبرة والرؤية، بحيث تكون للأحزاب قاعدة وأرضية جماهيرية كبيرة تسهم في إثراء الحياة السياسية والحزبية وتعزيز الوعي السياسي لدى المواطنين وحقوقهم في المشاركة السياسية.

وفي القلب من هذه الرؤية تأتي انتخابات المجالس المحلية التي تمثل الاستحقاق الدستوري الأهم الذي طال انتظاره. فمنذ حل المجالس المحلية قبل نحو خمسة عشر عامًا، افتقدت منظومة الإدارة المحلية أحد أهم أركانها، وهي الرقابة الشعبية المباشرة على أداء الأجهزة التنفيذية. كما فقد المواطن قناة مؤسسية تمكّنه من نقل مطالبه ومتابعة تنفيذها بصورة منظمة، مما جعل الكثير من الأعباء الخدمية تنتقل إلى أعضاء مجلسي النواب والشيوخ رغم أن دورهم الدستوري يتركز في التشريع والرقابة على الحكومة.

إن المجالس المحلية ليست مجرد مجالس لمناقشة مشكلات الرصف أو الإنارة أو النظافة، وإنما هي مؤسسات دستورية تمارس دورًا رقابيًا وتنمويًا بالغ الأهمية. تشارك هذه المجالس في رسم أولويات التنمية داخل المحافظات والمدن والقرى، وتتابع تنفيذ المشروعات وتراقب أداء الأجهزة التنفيذية بما يعزز مبادئ الشفافية والمساءلة ويرفع كفاءة الإدارة المحلية ويضمن توجيه الموارد وفق احتياجات المواطنين.

ومن زاوية أخرى، تمثل الانتخابات المحلية أكبر مدرسة لإعداد القيادات والكوادر السياسية. ففي معظم الدول الكبرى يبدأ كثير من القيادات التنفيذية والتشريعية مسيرتهم من العمل المحلي حيث يكتسبون خبرة التعامل مع الملفات والقضايا اليومية والتواصل مع المواطنين وصنع القرار فيما يتعلق باحتياجاتهم اليومية. لذلك فإن عودة المجالس المحلية تمثل فرصة تاريخية لإعداد جيل جديد من القيادات السياسية والإدارية القادرة على قيادة المستقبل.

كما أن هذه الانتخابات ستكون اختبارًا حقيقيًا للأحزاب السياسية لأنها ستنتقل بها من دائرة الخطاب السياسي إلى ميدان المنافسة لتقديم الحلول والبرامج. فالأحزاب التي تمتلك كوادر مؤهلة وبرامج واقعية وانتشارًا جماهيريًا ستكون الأقدر على كسب ثقة المواطنين بينما ستكشف الانتخابات حجم الحضور الحقيقي لكل حزب على الأرض بعيدًا عن الشعارات أو الوجود الإعلامي.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن عودة المجالس المحلية ستعيد التوازن إلى توزيع الاختصاصات بين المجالس النيابية والشعبية المنتخبة. حيث يتفرغ البرلمان بغرفتيه لأدواره الدستورية في التشريع والرقابة على السلطة التنفيذية بينما تضطلع المجالس المحلية بمتابعة الخدمات اليومية والرقابة على الوحدات المحلية مما يحقق تكاملاً مؤسسيًا ينعكس في النهاية على جودة الأداء الحكومي وسرعة الاستجابة لمطالب المواطنين.

إن توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي تمثل أكثر من مجرد دعوة لإجراء انتخابات أو تنشيط الأحزاب؛ إنما هي إعلان عن مرحلة جديدة تستكمل بناء مؤسسات الدولة وتفتح المجال أمام الشباب للمشاركة وتعزز دور الأحزاب وتعيد للمجالس المحلية مكانتها الدستورية باعتبارها الحلقة الأقرب إلى المواطن والأكثر قدرة على تحويل احتياجاته اليومية إلى سياسات وقرارات تنموية. فكلما اتسعت دوائر المشاركة السياسية وتعززت مؤسسات الرقابة الشعبية ازدادت قوة الدولة وترسخت دعائم الجمهورية الجديدة.