تعرضت الأسبوع الماضي للاختصاصات المنقوصة والصلاحيات الضبابية للمجالس الشعبية المحلية، واليوم أتناول الأنظمة الانتخابية التي مرت بها منذ نشأتها وحتى قرار تعطيلها وحلها عقب ثورة 25 يناير، بالإضافة إلى النظام الانتخابي الأمثل الذي يناسب وعي المصريين ومخزونهم السياسي المتراكم.
لا يختلف اثنان على أن دستور 2014 المعمول به حالياً منح هذه المجالس صلاحيات واسعة، إلا أن قانون انتخابها بالقائمة يبقى محل جدل كبير بين مؤيد ومعارض ومتحفظ. حيث يفضل معظم المصريين الانتخاب الفردي المباشر؛ فرغم مساوئه، إلا أنه، وبحكم الواقع المعاش، أفضل من الانتخابات بالقائمة التي يتم فرض أعضائها على أبناء الدائرة بما يملكونه من مال يضمن لهم مقاعدهم الانتخابية.
وهروباً من مخالفة الدستور الذي نص على ضرورة تمثيل المستقلين وعدم استبعادهم، تم الاتفاق بين الأحزاب والمؤثرين في الحركة السياسية آنذاك على الأخذ بالنظام المختلط (الجمع بين القائمة المغلقة والفردي).
بهذه الطريقة المعقدة والغريبة على عقلية الناخب المصري، تتمكن الأحزاب القوية من إثبات وجودها. بينما تفضل الأحزاب الضعيفة القائمة النسبية لضمان تمثيلها ولو بعدد قليل في الانتخابات المحلية، التي تعد محطة مؤقتة تُعد فيها العضو للانتخابات البرلمانية بغرفتيها (النواب والشيوخ).
قبل أن أتحدث عن مزايا وعيوب الأنظمة الانتخابية، ينبغي أن نفرق بين نظام الحكم المحلي المعمول به في بعض دول أوروبا وأمريكا، وبين نظام الإدارة المحلية المطبق في مصر منذ عهد محمد علي باشا عام 1883.
تاريخياً بدأ نظام انتخابات المحليات جمعاً بين التعيين والانتخاب، وأفرز سلبيات عديدة أبرزها أن أغلب القرارات كانت تصدر وفقاً لإملاءات وتدخلات التنفيذيين على حساب أعضاء المجالس الشعبية ومطالب وطموحات المواطنين.
إذا كان دستور 1964 قد حدد دور المحليات في مادتين فقط، وأبقى على تشكيلها بالانتخاب والتعيين، فإن دستور 1971 بلور بشكل أوضح نظام الإدارة المحلية وأطلق يد الانتخابات الفردية. قبل أن يأتي دستور 2014 الذي فضل النظام المختلط.
للأسف جاء التطبيق مليئاً بالثغرات والعيوب بسبب هيمنة السلطة التنفيذية على عمل المجالس المحلية. حتى بدأ تطبيق نظام القوائم وسيطر الحزب الحاكم على المحليات مع بعض الأحزاب وتم اقتسام المناصب بالتوافق فيما بينهم. حيث استحوذ الحزب الوطني المنحل على النصيب الأكبر في آخر انتخابات أجريت لهذه المجالس عام 2008.
مع تزايد الأصوات المنادية بعودة المجالس الشعبية إلى الساحة السياسية ورغم جلسات الحوار الوطني التي عقدت برئاسة ضياء رشوان قبل أن يصبح وزيراً، لم يتفق المشاركون على نظام انتخابي للمحليات. فريق يفضل القائمة المغلقة وآخر القائمة النسبية وثالث يريد الجمع بينهما.
تفضل جماعة ما يعرف بأحزاب الحركة المدنية أن يكون 75% بنظام القائمة المطلقة و25% بنظام القائمة النسبية، ولكن هذا الاتجاه يواجه معارضة شديدة من قبل المستقلين.
ويعتبر الانتخاب الفردي الأقرب إلى ثقافة الانتخابات المحلية التي تعتمد بشكل كبير على الاحتكاك والتواجد المباشر للمرشح ليلاً ونهاراً في الدائرة المحلية المحدودة سواء داخل المدن الرئيسية أو قرى المركز الذي يترشح فيه نائب المحليات.
وفقاً لنظام القائمة المطلقة المغلقة؛ تفوز القائمة التي تحصل على 50% أو أكثر من عدد أصوات الناخبين الصحيحة بكل مقاعد الدائرة بينما تخسر كل القوائم الأخرى التي لم تحقق نسبة الـ50% من الأصوات.
أما القائمة النسبية فهي عكس المغلقة تماماً عند حساب المقاعد. حيث تشكل القوى السياسية والحزبية قوائم انتخابية مغلقة أو مفتوحة في كل دائرة. ومن تحصل على أغلبية الأصوات لا تحصد كافة المقاعد كما يحدث في القائمة المغلقة، وإنما تفوز بعدد من المقاعد يتناسب مع نسبة ما حصلت عليه من أصوات. وهكذا يدخل الجميع في حسبة معقدة يجد المواطن نفسه أمام لغز كبير.. وللحديث بقية إن شاء الله.

