لم تعد الشهادات العليا في مصر تحظى بالتقدير الذي كانت تتمتع به قبل عقود مضت. في الماضي، كان الحصول على الماجستير أو الدكتوراه يعني أن الشخص قد أضاف معرفة جديدة أو قدم اكتشافًا أو اجتهادًا علميًا يستحق التقدير. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف سماع عبارة: «كل من هب ودب يعرف أستاذًا جامعيًا يعمل له ماجستير أو دكتوراه».
حتى يبدو الأمر وكأن الدراسات العليا تحولت لدى البعض من مشروع علمي إلى مشروع للوجاهة الاجتماعية، مما يدفعنا للمطالبة بأن تقتصر تلك الدرجات العالية على أعضاء هيئة التدريس بالجامعات فقط حتى إشعار آخر.
لا أحد ينكر أن توسيع فرص التعليم حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول منح الدرجات العلمية إلى عملية شبه جماهيرية، بلا ضوابط صارمة تضمن الكفاءة والجدارة. فليست القضية في عدد الحاصلين على الماجستير والدكتوراه، بل في القيمة المضافة التي يقدمونها لوطنهم ومجتمعهم.
اليوم لدينا آلاف من حملة الماجستير والدكتوراه، لكن السؤال الصادم هو: أين إنجازاتهم العلمية؟ أين الاختراعات؟ أين براءات الاختراع؟ أين النظريات الجديدة؟ وأين المشروعات التي حلت مشكلات اقتصادية أو زراعية أو صناعية أو صحية أو اجتماعية؟ وأين الباحثون الذين غيرت أبحاثهم وجه الحياة كما حدث في الجامعات الكبرى بالعالم؟
في الدول المتقدمة، لا تُمنح درجة الدكتوراه باعتبارها مكافأة اجتماعية أو لقبًا يسبق الاسم، بل باعتبارها إقرارًا بأن صاحبها أصبح قادرًا على إنتاج معرفة جديدة. الباحث هناك يعمل لسنوات داخل مختبرات ومراكز بحثية حقيقية، ويُطلب منه نشر أبحاث في دوريات عالمية محكمة والدخول في مشروعات بحثية متعددة التخصصات، وربط نتائج بحثه بالصناعة والاقتصاد والتكنولوجيا. وتقاس الجامعة بعدد براءات الاختراع وتأثير أبحاثها في الاقتصاد ومدى مساهمتها في حل مشكلات المجتمع.
أما في مصر، فتنتهي كثير من رسائل الماجستير والدكتوراه إلى رفوف المكتبات أو الأرشيف الإلكتروني دون أن يقرأها أحد، ولا تتحول إلى منتج أو تقنية أو سياسة عامة أو تطبيق عملي. والأخطر أن عددًا كبيرًا من الباحثين لا يسعون وراء المعرفة بقدر ما يسعون وراء اللقب.
فالمهم لدى البعض أن يسبق اسمه حرفا «د.» للحصول على وجاهة اجتماعية أو ترقية وظيفية أو مكانة معنوية دون النظر لما إذا كان قد أضاف حرفًا واحدًا إلى صرح المعرفة الإنسانية.
إن أزمة الدراسات العليا في مصر ليست أزمة أعداد بل أزمة فلسفة ومعايير. فقد اختلط الباحث الحقيقي بمن يبحث عن لقب، وأصبح بعض المشرفين الأكاديميين مثقلين بأعداد كبيرة من الرسائل، وتحولت بعض البرامج إلى ما يشبه خطوط الإنتاج بينما البحث العلمي جوهره عمل نوعي يحتاج إلى الموهبة والتميز والانضباط الفكري.
لذا ينبغي إعادة النظر في منظومة الدراسات العليا بأكملها. فمن غير المنطقي أن يتجه الجميع نحو الماجستير والدكتوراه. هذه الدرجات ينبغي أن تكون للمتفوقين حقًا ولمن يملكون استعدادًا حقيقيًا للبحث والإضافة العلمية سواء كانوا من أوائل الكليات أو أصحاب القدرات البحثية المثبتة. أما تحويل الدراسات العليا إلى مسار مفتوح للجميع فقد أدى إلى رخص الشهادات وإضعاف قيمتها العلمية والمجتمعية.
وقد حققت مصر تقدمًا ملحوظًا في حجم النشر العلمي خلال السنوات الأخيرة حيث ارتفع عدد الأبحاث المنشورة دوليًا إلى أكثر من 44 ألف بحث سنويًا وتقدمت مصر في مؤشرات النشر العلمي الدولية وتصدرت إفريقيا في هذا المجال.
لكن السؤال الأكثر أهمية ليس: كم بحثًا نشرنا؟ بل: ما نوعية هذه الأبحاث؟ وما حجم أثرها الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي؟ وكم منها تحول إلى براءة اختراع أو شركة ناشئة أو منتج أو سياسة عامة تحل مشكلة مزمنة؟
إن الأمم لا تقاس بعدد حملة الدكتوراه وإنما بقدرتها على تحويل المعرفة إلى قوة منتجة. فاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة لم تنهض لأنها أنتجت ألقابًا أكاديمية بل لأنها أنتجت علماء ومبتكرين ومراكز أبحاث مرتبطة بالاقتصاد والصناعة والتنمية.
ولذا يبقى السؤال المؤلم: هل نريد جامعات تصنع المعرفة أم مصانع تمنح الشهادات؟ وهل نريد دكاترة يحملون لقباً أم علماء يضيفون إلى رصيد الإنسانية؟
إن مصر ليست بحاجة إلى المزيد من الألقاب بقدر حاجتها إلى باحثين حقيقيين يؤمنون بأن الدكتوراه ليست نهاية رحلة التعلم بل بدايتها وأن قيمة العالم لا تُقاس بما يسبق اسمه من حروف بل بما يضيفه لوطنه وللمعرفة الإنسانية
يا وزير التعليم العالي وكل من يهمه الأمر اجعلوا رسائل الماجستير والدكتوراه مقصورة على أعضاء هيئات التدريس فقط!

