على الرغم من مرور أكثر من سبعة عقود على ثورة 23 يوليو، لا تزال هناك أحداث لم تُكشف تفاصيلها بعد. وفي حوار خاص مع “مصراوي”، يكشف اللواء فؤاد علام، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة سابقًا، عن شهادات ورؤى حول أبرز الشخصيات والأحداث التي وقعت في هذه الفترة الساخنة من تاريخ مصر الحديث.

في حديث صريح مع “مصراوي”، فتح اللواء فؤاد علام خزائن أسراره ليسلط الضوء على شهادات وروايات تتعلق بشخصيات صنعت أحداثًا مفصلية في تاريخ البلاد خلال تلك المرحلة.

يتناول الحوار موضوعات حساسة مثل اغتيال الملك فاروق، حقيقة وفاة المشير عبد الحكيم عامر، كواليس اللحظات الأخيرة في حياة سيد قطب، ورؤية اللواء محمد نجيب لأحداث الثورة. هنا التفاصيل الكاملة.

كيف تقيّم ثورة 23 يوليو في ذكراها الـ74؟

الثورة أخرجت طليعة من أبطال القوات المسلحة، الضباط الأحرار، الذين عبروا عن إرادة شعب أثقلته سنوات الاستعمار والطبقية. لم تكن الثورة مجرد حركة عسكرية، بل حملت رؤية وشعارات انحازت للمواطن البسيط. فرفعت راية العدالة الاجتماعية وأقرت قانون الإصلاح الزراعي وأتاحت آليات التعليم المجاني، مما فتح أبواب الحراك الاجتماعي أمام ملايين المصريين.

كان والدك قريبًا من الملك فاروق.. فما شهادتك عنه؟

شهادتي من واقع المعايشة القريبة للملك وحاشيته تؤكد محبة الجميع له ونفيهم التام لما أُشيع عنه من انحرافات أخلاقية. هذه الشهادات المباشرة تؤكد أن التاريخ لم يكن منصفًا مع الملك فاروق الذي كانت له الكثير من الأيادي البيضاء والمواقف الإيجابية خلال فترة حكمه لمصر. أرى أنه تعرض لظلم تاريخي جراء اتهامات غير دقيقة شوهت فترة حكمه.

لكن قيل إن الملك فاروق كان مدمنًا على القمار والخمر؟

الكثير مما قيل عن الملك فاروق مثل إدمانه القمار أو معاقرته للخمر أو كثرة العلاقات النسائية لا يمثل الحقيقة بدرجة كبيرة. وهذه شهادة مستندة إلى عمل والدي كضابط شرطة في الحرس الملكي خلال تلك الحقبة.

أيضًا الروايات التي روجت حول انحرافات الملك فاروق وتشويه مرحلته لا أساس لها من الصحة وفقًا لشهادات مباشرة من أطراف عاصرت تلك الأحداث.

وهل وفاة الملك فاروق كانت طبيعية؟

الملك فاروق اغتيل ولم يمت ميتة طبيعية. التاريخ لم يعط هذه الواقعة حقها حتى الآن، فوفاته في المنفى مثيرة للشكوك. السيناريو الشائع حول وفاته المفاجئة أثناء سهرة ليس منطقيًا بالنظر إلى الظروف والمحيطين به في ذلك الوقت.

لقد تأثرت جدًا بعد اغتيال الملك فاروق في مرحلة زمنية حرجة كان الجميع فيها بحاجة ماسة لكشف الحقيقة الكاملة. التاريخ قصّر في إظهار الحقيقة والملابسات الواقعية لما حدث عقب استصدار خطاب العزل وتولي الضباط الأحرار إدارة البلاد.

أيضًا الرئيس الراحل محمد نجيب تعرض لاتهام بأن لديه ميولًا إخوانية.. كيف ترى ذلك؟

هناك لغط مثار حول علاقة اللواء محمد نجيب الوطيدة بجماعة الإخوان المسلمين. هو يعد من أكثر الشخصيات التي تعرضت للظلم في تقييم تلك المرحلة التاريخية وتفسير مواقفها. فمن تولوا المسؤولية عقب حركة يوليو كانوا أبعد ما يكون عن معرفة الحقائق التاريخية الكاملة واستندوا في تقييمهم لمن سبقوهم إلى انطباعات غير منصفة.

هل كان لك علاقة بشمس بدران؟

نعم، زرت شمس بدران في مقره بلندن واطلعت على طبيعة حياته ومشروعه الخاص بعد مغادرته البلاد. كان الرجل حكّاءً ممتعًا ويملك تفاصيل دقيقة وقصصًا غنية عن كواليس تلك الحقبة التاريخية المعقدة.

وأنا نادم على عدم تدوين وتسجيل جميع الشهادات والمعلومات التي استمعت إليها منه خلال تلك الجلسات.

هل كان لشمس بدران طموح سياسي؟

بالفعل، كان له طموح سياسي كبير وكان يسعى لكي يصبح البديل لعدد من الشخصيات البارزة في نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. كان يطمح أن يصبح صاحب النفوذ الأكبر أو بمعنى آخر “كان يريد أن يكون كل شيء”.

ولماذا استُبعد اسمه من بيان تنحي الرئيس جمال عبد الناصر ووضع زكريا محيي الدين بدلًا منه؟

اسم شمس بدران كان مطروحًا ليظهر ضمن خطاب التنحي الذي ألقاه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عقب نكسة يونيو 1967، إلا أن الأخير استبعده ووضع اسم زكريا محيي الدين بدلًا منه. وما يقال عن شعبية شمس بدران داخل القوات المسلحة لا يتفق مع حقيقة موقف بعض الضباط منه.

وهل كان محبوبًا في صفوف الجيش فعلًا؟

لا أعتقد أنه كان مكروهًا في القوات المسلحة عكس كل ما قيل عن أعماله. دوافع شمس بدران لم تكن مرتبطة فقط بالوقوف إلى جانب المشير عبد الحكيم عامر وإنما كانت مرتبطة بطموحه الشخصي ورغبته في أن يصبح البديل لعدد من الشخصيات المؤثرة آنذاك.

هناك أقاويل كثيرة حول وفاة المشير عبد الحكيم عامر.. هل انتحر أم تعرض للتصفية؟

No أعتقد أن أحداً كان يجرؤ على تحمل المسؤولية التاريخية لتصفية شخص بحجم وثقل المشير عامر الذي يعد الحاكم الفعلي لإدارة الدولة آنذاك، لكني أرى أنه دُفع لإنهاء حياته بتلك الطريقة.

هناك أقاويل عن علاقات نسائية مرتبطة بعدد من الشخصيات وقت حكم عبد الناصر.. ما رأيك فيها؟

ما تردد حول وجود علاقات نسائية مرتبطة بعدد من الشخصيات السياسية والعسكرية خلال فترة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لا يستند إلى حقيقة وأرى أن ما قيل بهذا الشأن “كلام فارغ”.

A أيضاً صلاح نصر رئيس المخابرات في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان له دور كبير في تأسيس منظومة الأمن السياسي والحديث عن استخدامه للفنانات لا يمكن اختزاله بهذه الصورة، حيث إن الأجهزة الأمنية قد تستعين بأشخاص مختلفين وفقاً لطبيعة المهام والوقائع التي تتعامل معها.

هل يعني ذلك أنك تنفي صحة هذه المعلومات؟

<pلكي أكون أميناً في نقل الحقائق فإن بعض ما قيل عن وجود علاقات نسائية للمشير عبد الحكيم عامر أو أن شمس بدران كان يجلب له نساء غير صحيح. فشمس بدران شخصية تاريخية بارزة ولا يصح وصفه بأنه يجلب النساء للمشير عبد الحكيم عامر؛ هذا الكلام لم يحدث.

كيف ترى فترة الإخوان في مصر؟

<p شعرت بحالة من الذعر عقب وصول جماعة الإخوان إلى الحكم فهي لا تمتلك القيادات السياسية القادرة على تحمل مسؤولية إدارة دولة بحجم مصر أكبر دولة عربيًّا وإفريقيًّا.
إدارة دولة بهذا الحجم تحتاج إلى قيادات سياسية واقتصادية تمتلك الخبرة والكفاءة اللازمة وكنت أخشى أن تؤدي إدارة جماعة الإخوان للبلاد إلى إعادة الدولة إلى عصور القرون ما قبل الوسطى.

هل حققت مع سيد قطب بعد القبض عليه؟

بعد القبض على سيد قطب واقتياده من منزله إلى معتقل القلعة ومن ثم نقله إلى المكان الذي نُفذ فيه حكم الإعدام حاولت خلال تلك الرحلة التي استغرقت نحو نصف ساعة أن أستمع منه إلى أي تفاصيل أو اعترافات إلا أنه ظل صامتاً طوال الطريق وقد اصطحبته معي وحاولت التحدث معه فقال لي: “يبقى دي النهاية” وكانت هذه تقريباً الكلمة الوحيدة التي قالها لي طوال الطريق.

هل كنت شاهدًا على لحظة إعدامه؟

للأسف لا لم أكن حاضرًا داخل المكان الذي نُفذ فيه حكم الإعدام لكنني كنت أنا الذي اقتاده من سجن القلعة إلى مكان تنفيذ الحكم وانتظرت بالخارج وسألت صوت تنفيذ حكم الإعدام وهذا الصوت ظل عالقاً بذاكرتي لفترة طويلة.

ألم يجذب انتباهك أي تصرف منه قبيل تنفيذ حكم الإعدام

لن أنسى أبداً أنه قبيل تنفيذ الحكم حضر أحد الشيوخ ليلقنه الشهادة لكن سيد قطب لم يرددها وراء الشيخ ولم يتحدث معه إذ كان مدركاً لنهاية مصيره ولم يكن مستعداً للحديث أو الإدلاء بأي كلام.