لا تبدو موافقة المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي المصغر على دخول قوة متعددة الجنسيات، تتشكل من 200 عنصر من المغرب وأوغندا، إلى قطاع غزة تحولًا في السياسة الإسرائيلية بقدر ما تعكس محاولة لإعادة صياغة آليات إدارة القطاع بما يخدم الرؤية التي تعمل حكومة بنيامين نتنياهو على تكريسها منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في 7 أكتوبر 2023.

وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، فإن القوات المقترحة لن تنتشر في جميع أنحاء غزة، وإنما داخل مناطق إنسانية محددة تنشأ تحت إشراف ما يسمى بـ”مجلس السلام”، والذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتعمل هذه القوات بتنسيق كامل مع جيش الاحتلال وفي نطاق جغرافي تحدده إسرائيل، بينما تحتفظ الأخيرة بحق تعديل حدود هذه المناطق ومنع دخول أي قوات لا تنسجم مع رؤيتها الأمنية.

وتكشف هذه الترتيبات أن إسرائيل تسعى إلى الفصل بين الإدارة المدنية والهيمنة العسكرية، بحيث تسند الجوانب الإنسانية إلى أطراف دولية، في الوقت الذي يبقى فيه القرار الأمني والسيطرة الميدانية بيد جيش الاحتلال. وبهذا تصبح القوة متعددة الجنسيات أداة لإدارة مناطق محددة، لا بديلاً عن الوجود الإسرائيلي أو مقدمة لانسحاب كامل من القطاع؛ خصوصًا في ظل غياب وجود قوات عربية فاعلة ضمن القوة الأولية المقترحة.

قوة دولية بصلاحيات محدودة

ويأتي ذلك في سياق الخطة الأمريكية التي تتحدث عن مرحلة انتقالية لما بعد الحرب. إلا أن القراءة الإسرائيلية لها تختلف عن الطرح الدولي، إذ تسعى حكومة نتنياهو إلى توظيفها بما يحافظ على حرية الحركة العسكرية ويمنع أي ترتيبات قد تفرض عليها الانسحاب أو إعادة السلطة الفلسطينية إلى القطاع. وهذا ما يفسر منح القوة الدولية صلاحيات محدودة وربط عملها بالتنسيق الكامل مع الجيش الإسرائيلي.

وفي الوقت نفسه، تكشف الخلافات داخل الحكومة الإسرائيلية أن مستقبل غزة أصبح إحدى أبرز ساحات الصراع داخل الائتلاف الحاكم. فبينما يحاول نتنياهو إظهار قدر من المرونة أمام الضغوط الأمريكية والدولية، يواصل وزراء اليمين المتطرف الضغط باتجاه خيار مختلف يقوم على إعادة الاستيطان ورفض أي ترتيبات قد تُفسر على أنها تنازل سياسي أو أمني. ويعكس هذا الانقسام اختلافًا في الوسائل أكثر منه اختلافًا في الهدف، إذ يتفق أطراف الائتلاف على منع عودة حركة حماس إلى إدارة القطاع، لكنهم يختلفون حول شكل الوجود الإسرائيلي وآليات فرضه.

خروقات عسكرية ومشروعات استيطانية جديدة

وتتراجع مصداقية الحديث عن ترتيبات إنسانية في ظل الوقائع التي تفرضها إسرائيل على الأرض. فمنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، لم تتقدم المفاوضات إلى مرحلتها الثانية، بينما واصل جيش الاحتلال توسيع نطاق سيطرته داخل القطاع بالتزامن مع استمرار الخروقات العسكرية وطرح مشاريع استيطانية جديدة. وهذا يعكس فجوة واضحة بين الالتزامات المعلنة والممارسات الفعلية.

إلى جانب انتهاك بنود الاتفاق عبر الخروقات شبه اليومية ورفض تنفيذ ما عليها من التزامات، واصلت سلطات الاحتلال إزاحة ما يعرف بـ”الخط الأصفر” باتجاه الغرب. بينما كان الاتفاق يحدد مسار الانسحاب الإسرائيلي نهائيًا من غزة ويعد بإعادة إعمارها.

صقور بلا حمائم

تعزز هذه المعطيات ما حذرت منه الأمم المتحدة بشأن الانكماش المتواصل للمساحات الآمنة وتفاقم الأزمة الإنسانية. ويترافق التوسع العسكري مع تصاعد الحديث داخل الحكومة الإسرائيلية عن إنشاء مستوطنات وبؤر استيطانية جديدة في غزة. وهذا يوحي بأن إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي للقطاع أصبحت جزءًا من النقاش السياسي الإسرائيلي.

كما تعكس الخلافات داخل الائتلاف الحاكم – الذي بات يمثل صقورًا بلا حمائم – أن ملف غزة أصبح جزءًا من الصراع السياسي الداخلي في إسرائيل. إذ يسعى نتنياهو إلى الموازنة بين الضغوط الأمريكية والدولية الداعية إلى ترتيبات انتقالية وبين مطالب شركائه من أحزاب اليمين المتطرف الذين يرفضون أي خطوة قد تفهم على أنها تمهيد لانسحاب إسرائيلي أو عودة السلطة الفلسطينية. ويتمسكون بخيار إعادة الاستيطان وتشجيع تهجير الفلسطينيين؛ حيث رفضه وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بزعم أن “حماس لم تلتزم بتعهدها بنزع السلاح من قطاع غزة والتخلي عن أسلحتها” مضيفًا: “لسنا ملزمين نحن أيضًا بذلك. ومنذ البداية كنت معارضًا لخطة النقاط العشرين؛ الحل في غزة هو تشجيع الهجرة”.

تواصل نزيف الدم

كما واصلت قوات الاحتلال استهداف المدنيين الفلسطينيين حيث بلغ إجمالي عدد الضحايا الفلسطينيين جراء الانتهاكات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار 1203 شهيدًا بالإضافة إلى 3900 مصابٍ و803 جثامين تم انتشالها بحسب تقديرات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة. فيما ارتفعت الحصيلة التراكمية لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 إلى نحو 73 ألف و329 شهيدًا و174 ألف و9 مصابين.

وانطلاقًا من هذه المؤشرات يرى مراقبون أن الحديث عن قوات متعددة الجنسيات ومناطق إنسانية لا يمكن فصله عن المشروع الإسرائيلي الأشمل لإدارة مرحلة ما بعد الحرب. فبدلاً من أن تكون هذه القوات مدخلاً لإنهاء الاحتلال أو تمهيدًا لإعادة الإعمار، قد تتحول إلى جزء من ترتيبات تكرس واقعًا جديدًا تتولى فيه أطراف دولية إدارة الجوانب الإنسانية بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الأمنية والعسكرية وبالقدرة على توسيع نفوذها داخل القطاع متى شاءت. وهو ما يجعل مستقبل غزة مرهوناً بميزان القوة الذي تفرضه الوقائع الميدانية أكثر من ارتباطه بالاتفاقات السياسية أو الضغوط الدولية.