تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديس يوحنا صاحب الإنجيل الذهبي، الذي ارتبطت سيرته بمعاني الزهد والطاعة والتجرد، تاركًا أثرًا روحيًا عميقًا في التراث الكنسي القبطي.

تروي السنكسارات الكنسية أن القديس يوحنا وُلد في مدينة رومية لأسرة ثرية، وكان والده يُدعى أطروفيوس أو أطرافيموس. منذ صغره، نشأ محبًا للعلم والقراءة، ولشغفه بالكتاب المقدس طلب من والده أن يُجلّد الإنجيل الذي يقرأ فيه بالذهب، فاستجاب الأب لرغبته، ليُعرف لاحقًا بلقب “صاحب الإنجيل الذهبي”.

بدأت رحلة التحول في حياة يوحنا عندما استضافت أسرته أحد الرهبان العائدين إلى بيت المقدس، حيث تعلق قلبه بالحياة الرهبانية وطلب من الراهب أن يصطحبه معه. إلا أن الراهب اعتذر لصغر سنه وصعوبة حياة الرهبنة. لكن يوحنا لم يتراجع عن رغبته، فسافر بمفرده إلى الدير الذي يقيم فيه الراهب. ورغم رفض رئيس الدير قبوله في البداية بسبب حداثة سنه، إلا أنه أُعجب بصدق عزيمته وإصراره وقبله راهبًا ومنحه الثوب الرهباني.

خلال سنوات رهبنته، عُرف القديس بكثرة الصلاة والصوم والنسك. وكان رئيس الدير يطلب منه الترفق بنفسه وعدم المبالغة في التقشف. لكنه كان يردد دائمًا أن نعمة الله وصلوات أبيه الروحي تمنحه القوة على احتمال مشقات الحياة الرهبانية.

بعد سبع سنوات من الرهبنة، رأى القديس رؤيا متكررة لمدة ثلاث ليالٍ تدعوه إلى العودة لوالديه لنيل بركتهما قبل انتقاله من العالم. وعندما عرض الأمر على رئيس الدير، أكد له أن الرؤيا من الله وأوصاه بتنفيذها.

في طريق عودته، تخلى يوحنا عن ملابسه وأعطاها لأحد الفقراء وارتدى ثيابًا بالية. أقام في عشة صغيرة من القش بجوار منزل والديه لمدة ثلاث سنوات دون أن يكشف عن هويته. كان يعيش على بقايا الطعام التي يلقيها خدم المنزل بينما كانت والدته تمر بجواره دون أن تعرف أنه ابنها وكانت تشفق من هيئته ورائحة ثيابه.

قبل نياحته بثلاثة أيام، أعلن له الرب موعد انتقاله واستدعى والدته دون أن يكشف لها شخصيته. طلب منها أن تدفنه في العشة مرتديًا ثيابه البسيطة وسلمها الإنجيل الذهبي قائلاً: “كلما قرأتِ فيه تذكريني”.

عندما عاد والده إلى المنزل ورأى الإنجيل أدرك أنه يخص ابنهما الغائب فسارع مع زوجته إلى الرجل الزاهد. وهناك كشف لهما أنه ابنهما يوحنا وطلب منهما تنفيذ وصيته بعدم تغيير ثيابه عند دفنه ثم أسلم الروح.

ورغم أن والدته كفنته في البداية بالثياب الفاخرة التي كانت قد أعدتها له يوم زفافه قبل دخوله الدير إلا أنها مرضت في الحال فتذكر والده الوصية وأعاد إليه ثيابه القديمة ودُفن كما أوصى داخل العشة التي عاش فيها سنواته الأخيرة.

تؤكد الروايات الكنسية أن الله أجرى عجائب كثيرة من جسد القديس بعد نياحته مما دفع المؤمنين إلى بناء كنيسة باسمه ونقل جسده إليها لتظل سيرته شاهدًا على حياة التجرد والإيمان والطاعة التي عاشها حتى آخر لحظة من حياته.