تشهد خريطة التجارة العالمية تحولات متسارعة مع توجه الدول والشركات نحو البحث عن مسارات بحرية جديدة وأكثر كفاءة لنقل البضائع بين الأسواق، وذلك في ظل التحديات الجيوسياسية والاضطرابات التي أثرت على عدد من طرق الملاحة الرئيسية مؤخراً.
في هذا السياق، يبرز الطريق البحري الشمالي كأحد المسارات التي تسعى لتعزيز وجودها في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، مستفيداً من قدرته على تقليص زمن الرحلات. ولكن يبقى التساؤل حول مدى إمكانية تحوله إلى ممر تجاري مؤثر، وما إذا كان يمكن أن يشكل مستقبلاً منافساً للممرات التقليدية، وفي مقدمتها قناة السويس.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور أحمد حمدي، الخبير الاقتصادي، إن إطلاق الصين خدمة شحن منتظمة عبر الطريق البحري الشمالي يعكس تحولاً مهماً في خريطة التجارة العالمية. وأوضح أن التطورات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة دفعت الدول والشركات لإعادة النظر في مفهوم أمن سلاسل الإمداد والبحث عن مسارات متعددة لنقل البضائع بين مراكز الإنتاج والأسواق الرئيسية.
وأضاف أن الطريق القطبي يمتلك ميزة واضحة تتمثل في اختصار المسافة والزمن بين شرق آسيا وشمال أوروبا، مما قد يمنحه أهمية متزايدة خاصة مع ارتفاع الطلب على سرعة وصول بعض المنتجات ذات القيمة العالية مثل البطاريات ومكونات الطاقة والسيارات الكهربائية.
هل ينافس الطريق القطبي قناة السويس؟
وأوضح حمدي في تصريحات خاصة لـ “فيتو” أن الحديث عن منافسة مباشرة بين الطريق البحري الشمالي وقناة السويس يتطلب دقة كبيرة. حيث لا يعمل الممران في الظروف نفسها؛ فبينما يرتبط الطريق القطبي بموسم الملاحة والظروف المناخية والجليدية، تتمتع قناة السويس بإمكانية التشغيل على مدار العام وتوفر بنية تحتية وخدمات بحرية ولوجستية متطورة.
وتابع: من وجهة نظري، لا يمثل الطريق القطبي حالياً بديلاً كاملاً لقناة السويس، بل هو مسار إضافي يمكن لشركات الشحن استخدامه في ظروف معينة. فالميزة الزمنية وحدها لا تكفي للحكم على نجاح أي ممر ملاحي، إذ تدخل عوامل مثل تكلفة التأمين والخدمات اللوجستية ومدى انتظام الرحلات والقدرة على التعامل مع الظروف المناخية ضمن حساب التكلفة النهائية للشحن.
وأشار إلى أن قناة السويس لا تزال تحتفظ بموقع جغرافي استثنائي يجعلها حلقة رئيسية في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا. لافتاً إلى أن وجود طريق بديل لا يعني بالضرورة تراجع أهمية القناة بل قد يدفع الممرات التقليدية إلى تطوير خدماتها وتعزيز قدرتها التنافسية.
موسم الملاحة أبرز التحديات
وأكد الخبير الاقتصادي أن موسمية الطريق القطبي تعد أحد أكبر التحديات أمام تحوله إلى ممر تجاري عالمي رئيسي. موضحاً أن تشغيل الخدمة من يوليو إلى أكتوبر يضع حدوداً واضحة أمام قدرتها على منافسة طريق يعمل طوال العام.
وقال إن نجاح هذا الطريق مستقبلاً يعتمد على مدى قدرة الدول والشركات العاملة فيه على تطوير البنية التحتية والموانئ وخدمات الملاحة والإنقاذ إلى جانب التعامل مع مخاطر الجليد والطقس. وهي عوامل لا يمكن تجاهلها عند مقارنة هذا المسار بقناة السويس.
وأضاف أن البعد الجيوسياسي يمثل عاملاً آخر يجب وضعه في الاعتبار، خاصة وأن جزءاً كبيراً من الطريق يمر بمحاذاة السواحل الروسية، مما يجعل مستقبل استخدامه التجاري مرتبطاً أيضاً بالتطورات السياسية والعلاقات الدولية.
التجارة بين الصين وأوروبا تدعم أهمية المسار
وأشار حمدي إلى أن نمو التجارة بين الصين والاتحاد الأوروبي يمنح أي مسار جديد بين الجانبين فرصة للنمو. موضحاً أن حجم التجارة بين الطرفين وصل إلى نحو 447.8 مليار دولار خلال النصف الأول من العام بزيادة سنوية قدرها 14.2% مما يعكس حجم الطلب المحتمل على خدمات النقل والشحن.
وأوضح أن الصين أصبحت لاعباً رئيسياً في قطاعات مثل السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة. وبالتالي فإن نمو صادرات هذه المنتجات إلى أوروبا يخلق طلباً مستمراً على مسارات نقل سريعة وفعالة.
وأكد أن التأثير الحقيقي للطريق القطبي على قناة السويس لن يتحدد بعدد الرحلات الحالية وإنما بقدرته على التحول من خدمة موسمية محدودة إلى ممر منتظم ومستدام وقابل للتوسع.
وتابع قائلاً: لا أرى أن الطريق القطبي يمثل تهديداً مباشراً لقناة السويس حالياً ولكن ينبغي عدم تجاهل تطوره. أي تغير في خريطة التجارة العالمية يجب أن يدفعنا لمواصلة تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية وتعزيز تنافسية قناة السويس، لأن المنافسة مستقبلاً لن تكون فقط بين القنوات والممرات بل أيضاً بين منظومات نقل متكاملة تبحث عن السرعة والأمان والاستقرار وانخفاض التكلفة.

