الناس صنفان.. موتى في حياتهم وآخرون ببطن الأرض أحياء.. لعل القارئ الشيخ محمود علي البنا – الذي حلت ذكرى وفاته الحادية والأربعون يوم الإثنين الماضي – واحد من هؤلاء الذين كتب الله لهم الخلود حتى بعد الرحيل.

يُعتبر “البنا” أحد أعلام دولة التلاوة المصرية وأبرز أكابرها عبر التاريخ، حيث أسهم بنصيب وافر في تاريخها المجيد، بما وهبه الله من موهبة فطرية صادقة غير قابلة للاستنساخ.

لم يكن القارئ الجليل (1926-1985) يقرأ القرآن الكريم بلسان سليم وحنجرة متينة فحسب، بل كان يعيش آياته بوجدان صافٍ وقلب خاشع. كان “البنا” – ولا تزال عيون تلاواته شاهدة – يحلق بجمهوره ومستمعيه إلى عليين؛ بما آتاه الله من جمال الصوت وصدق الأداء وروعته وقبول رباني غير محدود. في كل مرة يخترق صوت “البنا” جوانحك مجودًا أو مرتلًا آي الذكر الحكيم، يُشعرك أنه في مهمة مقدسة يؤديها بصدق وصفاء وإخلاص بلا حدود.

شقَّ صوت “البنا” طريقه إلى آذان وقلوب الناس وهو دون العشرين عامًا. وعندما قدم من مسقط رأسه إلى القاهرة، التقطته أذن واعية، ومهدت له الطريق للالتحاق بالإذاعة المصرية. يُعتبر “البنا” من أصغر القراء التحاقًا بالإذاعة، وقد يسبقه في هذا الميدان قارئان آخران بفارق شهور قليلة.

عندما يقرأ “البنا” من كتاب الله: مرتلًا أو مجودًا، تستشعر من الوهلة الأولى أن الله تعالى ألان له كلامه العزيز كما ألان لنبيه داود عليه السلام. تنساب آيات الله من حنجرته سلسبيلًا دون عناء ولا تكلف. يقرأ كأنما يتنفس. أتى “البنا” في مواضع كثيرة من القرآن الكريم بأعاجيب لم يأتِ بها المتقدمون والمتأخرون، وهذا فضل الله وهذه تجلياته التي يختص بها مَن يشاء.

عندما يقرأ “البنا” من خواتيم سورة “النازعات”: “أأنتم أشد خلقًا أم السماء بناها”، تلجمك الدهشة المدعومة بالإعجاب. وعندما يصحبك في استعراض قصص الأنبياء في سورة “الأنبياء” وما تعرضوا له من ابتلاءات وما تلاها من تفريج كروبهم، فإنك تشعر كأنك ترى تلك المشاهد المتباينة رأيَ العين. وعندما يُبحر بك في تلاوة سورة “هود”، آية بعد آية، يجتاحك الخوف والورع وكأنك تعيش حديث الرسول الكريم: “شيبتني هودٌ وأخواتها”. يقرأ “البنا” – الذي بدأ حياته مصارعًا – من قوله تعالى: “ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين..” فتستشعر الحيرة وتستوطنك الدهشة، وتكاد تردد من فرط تأثرك: “سبحان الله ما هذا بشرًا، إن هذا إلا ملك كريم”. وعندما يبدع في تلاوة قوله تعالى: “يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ” يشعرك أن كل شيء قد انتهى وأن أمر الدنيا أصبح ماضيًا وليس عليك إلا أن تستعد ليوم الحساب.

تميز “البنا” عن كثير من القراء بأن تلاواته في استوديوهات الإذاعة لا تقل إبداعًا عن تلاواته بالمحافل الخارجية، وهو ما يؤكد ما ذكرناه آنفًا بأن الرجل عندما يبدأ في التلاوة ينفصل تمامًا عن الواقع ويعرج بالقرآن إلى مستويات روحانية وتجليات عظيمة.

في حضرة فضيلة القارئ الجليل – الذي قرأ في الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى والمسجد الأموي وغيرها من بيوت الله العامرة – لا يجزي وصف ولا يغني مدح؛ فلا قرين له في استهلال ولا قرار ولا جواب ولا جواب الجواب ولا تمهيد للختام ولا ختام. ولا يجاريه غيرُه أخذًا بالألباب وشحذًا للوجدان. ما عليك إلا أن تستمع لتستمتع وتصغي لتُسحَر وتتأمل لتعي وتفهم.. فها هنا قارئ خلقه الله وهيأه ليقرأ قرآنه العظيم، فحمل الرسالة وأداها على الوجه الأمثل حتى تمكن منه السرطان وتوغل في جسده. مات “البنا” في 20 يوليو عام 1985 ولكنه لم يمت بل بقيت تلاواته المرتلة والمجودة شاهدة على قارئ عظيم لا يجود الزمان كثيرًا بهم.

ظل القارئ الشيخ محمود علي البنا يتجسد أخلاق أهل القرآن الكريم في كل شيء بحسب فضيلة شيخ عموم المقاريء المصرية الأسبق عبد الحكيم عبد اللطيف رحمه الله تعالى. وهكذا الحال عندما يتحدث رجال عن رجال أمثالهم.. جفت الأقلام وطويت الصحف.

نقلًا عن العدد الورقي.