منذ فبراير 2026، تغيرت معالم الخليج التي رسمتها إيران بالصواريخ والطائرات المسيرة، ردًا على هجوم أمريكي إسرائيلي مشترك استهدفها.
شهدت تلك الفترة عنفًا شديدًا، حيث انهارت قيم الجيرة وحياد الجغرافيا، وذابت الحدود، واختلطت الأوراق، وتبدلت حجج المنطق وأعذار المواجهة.
الموانئ التي كانت شرايين حياة الدول والتجارة العالمية تعرضت للإصابة بالجلطات، وتحولت إلى نقاط ضغط مرتفع ووجع وحيرة تاهت فيها الحركة والسيادة والقرار.
أسلوب العداء الإيراني التخريبي انتقم من خطط التنمية واستباح الثقة بين الجيران، وحول الموانئ إلى أوراق مقامرة ومساومة خارج إطار القانون الدولي.
كانت الصورة في مضيق هرمز مزعجة، ولكنها لم تكن معزولة عن مشهد أوسع في البحر الأحمر والأبيض والقرن الأفريقي، حيث تُدار علنًا وسرًا مؤامرات صراع الأقربين والأباعد؛ ناشري الفوضى وناهبي الثروات والطامعين في إعادة تشكيل زوايا الشرق ببلطجة تستبيح الحدود وتتناقض مع قوانين السلام العالمي.
لم تعد موانئ الشرق الأوسط أرصفة للخير والرخاء، بل تحولت إلى مفاتيح هيمنة وسطو ومحاولات خنق للتجارة وابتزاز الدول وقطع شرايين النفط حسب القدرة.
في هذا السياق، يبرز الموقف السعودي ليس كردة فعل آنية بل كرؤية تاريخية ووعي بمخاطر المستقبل؛ إذ إن العبث بتوازنات الشرق الأوسط لن يتوقف طالما استمر صمت النظام الدولي وضعف أدوات الردع.
يأتي موقف الرياض حاسمًا بإدانة أي تهديد لأمن الملاحة وتحذير مبكر للدول العربية التي تستدرج إلى اتفاقات ظاهرها اقتصادي وباطنها يجلب الدمار والتقسيم والفوضى.
تدرك السعودية أن السياسة ليست كما تبدو، وأن سقوط الأطراف يسبق سقوط القلب، وأن الخناجر في الخاصرة تذبح الدولة وتنهبها وتتاجر بقراراتها؛ لذا فهي تتنبه لكل تدخل شرير يهدف لتحطيم الدول الخليجية والعربية والسيطرة على موانئها.
الشجب والرفض وحدهما لا يصنعان أمنًا؛ لذا تسعى السعودية لأن تكون مكوك فاعلية دبلوماسية لجمع الشمل وبناء الثقة من موقع قوة عبر تطوير موانئها وحمايتها وتعزيز الربط اللوجستي مع القرن الأفريقي وبقية موانئ الإقليم والعالم والعمل ضمن رؤية حكيمة لرفع كفاءة سلاسل الإمداد وتأمين الممرات الإقليمية ومحاربة أي قوى إقليمية أو عالمية تسعى لاحتكار الموانئ أو تحويلها إلى أدوات ضغط وابتزاز.
وهذا هو الفرق بين من يرى في الموانئ بوابة ابتزاز ومن يراها بوابات تنمية وسيادة.
وسط تحالف دول الخليج الأمني مع واشنطن لحماية المنشآت وضرورة خفض التصعيد مع طهران، يتركز الحل العقلاني في تشكيل قيادة خليجية منتخبة مخلصة تفصل بين الأمن الجماعي والمغامرات الفردية.
السعودية، بثقلها وموقعها ومسؤوليتها، قادرة على صنع وإدارة هذا التوازن؛ إذ تدرك أن ما يتم تمريره اليوم تحت عناوين التطبيع والتعاون الاقتصادي والتنموي قد يتحول إلى تهديد مباشر لأمن دول الخليج.
لم تُخلق دول الخليج للمواجهة العسكرية، لكنها مطالبة بحماية شرايين الإقليم؛ فمن لا يملك أرضه وميناءه لا يملك قراره. ومعارك السيادة البحرية ستكون عنوان العقد القادم.
يجب أن تبنى التحالفات الآنية والمقبلة على صدق الشراكة وقدرة السيطرة على خطوط التجارة الرقمية واللوجستية وليس فقط على النفط.
مصير السعودية هو أن تتحول إلى حارس للممرات ومهندس للنظام الإقليمي الجديد الساعي لوضع البحر الأحمر والخليج تحت مظلة أمن نخبة عربية قبل أن تُفرض عليها معادلات المبتزين.
الزمن لا ينتظر والوعي تراكمي والموانئ يجب أن تكون أيادٍ تمتد بالخير والأمن وليس بالمؤامرات والتعديات والخيانات.

