لم تنظر الدكتورة عالية حسن عبد الفتاح إلى خبر فوزها بالميدالية الذهبية للتأثير العالمي في طب القلب النووي لعام 2026، التي تمنحها الجمعية الأمريكية لطب القلب النووي، باعتباره انتصارًا شخصيًا، بل كان أول ما خطر ببالها أن هذا التكريم يحمل اسم مصر قبل أن يحمل اسمها.
فبينما احتفت جامعة القاهرة باختيار أستاذ طب الحالات الحرجة بكلية طب قصر العيني ورئيس قسم الحالات الحرجة الأسبق ومؤسس وحدة المسح الذري لعضلة القلب بالقسم، أكدت هي أن الجائزة هي ثمرة رحلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، شارك فيها فريق كامل آمن بهذا التخصص وعمل على ترسيخه في مصر.
وقالت في تصريحات خاصة لـ فيتو: “هذا التكريم يمثل لي تكريمًا لمصر وليس تكريمًا شخصيًا، ولمجهود الفريق المصري كله في هذا التخصص. وإذا كانوا يكرمونني اليوم، فلأنني أعمل في هذا المجال منذ نحو 30 عامًا، وشاركت في إدخاله إلى كلية طب قصر العيني، ولذلك أراه تتويجًا لاسم مصر.”.
وكانت جامعة القاهرة قد وصفت هذا الإنجاز بأنه مصدر فخر للجامعة ولكلية طب قصر العيني، مؤكدة أنه يعكس المكانة الدولية التي وصل إليها علماؤها. فيما اعتبر عميد الكلية الدكتور حسام صلاح مراد أن التكريم تقدير مستحق لمسيرة علمية رائدة عززت مكانة قصر العيني في المحافل الدولية.
حلم بدأ قبل دخول كلية الطب
قبل أن تدخل كلية الطب، كانت عالية عبد الفتاح قد حسمت قرارها مبكرًا، حيث تستعيد تلك البدايات قائلة: “كلية الطب كانت هدفي منذ البداية، وكان هدفي أن أكون طبيبة قلب، كنت محددة هدفي قبل أن أدخل الكلية.”.
ثم جاءت المحطة التي تصفها بأنها غيرت حياتها المهنية عندما تتلمذت على يد الدكتور شريف مختار، مؤسس علم طب الحالات الحرجة في مصر.
وتقول: “أكرمني الله بأن تعلمت على يد أستاذ كبير ورائع هو الدكتور شريف مختار الذي أسس علم طب الحالات الحرجة وكان سابقًا لعصره وكانت لديه رؤية.”.
بعد حصولها على الدكتوراه، وصل إلى قسم الحالات الحرجة جهاز جديد للمسح الذري لعضلة القلب، لكن لم يكن في مصر آنذاك من يمتلك الخبرة اللازمة لتشغيله.
تتذكر تلك اللحظة قائلة: “بعد الدكتوراه أحضر الدكتور شريف للقسم الجهاز الخاص بالمسح الذري لعضلة القلب ووقتها لم يكن هناك أحد لديه الخبرة لتشغيل الجهاز. قلت له: أنا عايزة أتعلمه.” كان ذلك عام 1991.
وتروي المشهد كما بقي في ذاكرتها: “وقف إلى جانبي وقال لي: ابحثي عن أفضل مركز لتعليم العمل على الجهاز في أمريكا وسافري واتعلمي هناك.”.
من أمريكا إلى القاهرة والأزهر والإسكندرية
سافرت إلى الولايات المتحدة وهناك تدربت على يد أحد أبرز أساتذة العالم في طب القلب النووي. لكن المفاجأة أنها التقت خلال التدريب بطبيب من جامعة الإسكندرية بينما كان يسبقها في البرنامج أستاذ من جامعة الأزهر.
وتحكي: “عدنا نحن الثلاثة إلى مصر وأنشأ كل منا هذا التخصص في جامعته؛ في القاهرة والأزهر والإسكندرية.”.
ومنذ ذلك الوقت لم يكن بينهم تنافس بقدر ما كانت هناك شراكة لبناء تخصص جديد.
وتضيف: “حملنا نحن الثلاثة مسيرة هذا التخصص في مصر وكل منا في جامعته فكنا نشعر أن كل واحد منا هو الوحيد الذي يفهم في هذا المجال فبدأنا نشد أزر بعض ونساعد بعض.”.
وتواصل: “كنا نحضر المؤتمرات الخاصة بالتخصص معًا ونسافر إلى أمريكا كل عام لحضور المؤتمر السنوي ونتعرف على كل جديد ثم نعود به إلى مصر ونطبقه.”.
أما العهد الذي جمعهم فما زالت تتذكره بوضوح: “عاهدنا أنفسنا أننا كما تعلمنا أفضل تعليم فلا بد أن نظل في أفضل أداء على مستوى العالم.”.
وأكدت أن هذا الالتزام ترك أثرًا كبيرًا لدى أساتذتهم في الخارج مضيفة: “كانوا يعتبروننا امتدادًا لهم وكانوا يقدرون ما نقوم به مع المرضى لأننا نتعامل مع حالات لا يرون مثلها كثيرًا لديهم.”.
تحديات العودة وبناء فريق العمل
لكن العودة إلى مصر لم تكن نهاية الرحلة بل بدايتها الحقيقية. فتقول: “التحديات واجهتني عندما عدت من أمريكا وكان علي أن أختار الفريق الذي سيعمل معي وقبل الأطباء كان علي أن أختار الفنيين والفيزيائيين والتمريض.”.
وتوضح: “بدأت أعلمهم كيف يعملون لأن أستاذي في أمريكا كان يعلمني عمل الفيزيائيين أيضًا وقال لي: لازم تتعلمي شغل الفيزيائيين علشان لما ترجعي مصر تعلميهم وتشرفي عليهم وكانت هذه من أكبر الخدمات التي قدمها لي.”.
وتضيف: “أنشأت فريق العمل كله بنفس المدرسة التي تعلمت فيها.”.
عندما بدأ العالم ينظر إلى القاهرة
بعد تأسيس الوحدة جاءت مرحلة البحث العلمي حيث تروي الدكتورة عالية: “بدأنا في البحث العلمي وقدمنا أبحاثنا في المؤتمرات الدولية ثم بدأوا يختارونني محكمًا دوليًا في هذا المجال.”.
ومع مرور الوقت لم تعد مصر تكتفي بالمشاركة بل أصبحت تستضيف كبار المتخصصين.
وتقول: “بدأنا نعزمهم في مؤتمراتنا لكي يأتوا إلينا ويشاهدوا عملنا وكانوا يشعرون أننا نسير معهم بالتساوي وهذا ما جعلهم يحترموننا جدًا.”.
تطور طب القلب النووي في مصر
تنظر الدكتورة عالية إلى ما تحقق داخل مصر باعتباره الإنجاز الأهم فتقول: “تخصص طب القلب النووي تطور بشكل كبير فقد كان هناك مكان واحد أو اثنان يعملان فيه أما الآن فأصبح لدينا مراكز كثيرة جدًا وأجيال قمنا بتعليمها تعمل معنا.”.
Addition to this, this انتشار غيّر نظرة أطباء القلب إلى التقنية موضحةً:”أصبح أساتذة القلب يعرفون أهمية هذه التقنية ويطلبونها ويسألوننا عنها وهو ما أوجد وعيًا بقيمتها واستخداماتها.”
h2
وعلى الرغم من حصولها على أعلى تكريم دولي إلا أنها تؤكد أن الفضل يعود أيضًا إلى المؤسسة التي احتضنت المشروع.
p
“جامعة القاهرة وكلية طب قصر العيني كانتا تدعمانني طوال الوقت ولو لم أكن هنا لم أكن لأحقق أي إنجاز لأنني كنت داخل قلعة الطب بمصر.”
p
“الدعم الذي حصلت عليه لم يكن معنويًا فقط بل امتد لتوفير الإمكانات وتحديث الأجهزة باستمرار وكانت إدارات الجامعة تدرك أهمية المشروع لرفع اسم مصر عالميًا.”
h2
وترى الدكتورة عالية المستقبل يحمل آفاقا واسعة لطب القلب النووي موضحةً:”كان يستخدم أساسا لتشخيص أمراض الشرايين التاجية لكن الآن امتد لتشخيص الأمراض النادرة وتقييم الالتهابات.”
p
وفي نهاية الرحلة لا تتحدث عن الجوائز وإنما عن طبيعة الطبيب الناجح بهذا المجال.
p
“الطبيب الذي يعمل هنا لابد أن يكون مهتمًا ويحبه ويتفرغ له ويعطيه من وقته”.
p
ثم تضيف ما تعتبره أهم صفات الطبيب هنا:”هذا التخصص يحتاج لصبر لأنه يتطلب وقت طويل مع المريض لذلك يحتاج شخص دؤوب وصبور.”

